فخر الدين الرازي
78
شرح الفخر الرازى على الاشارات
احتراز عما يتحرك عند المحرك بالعرض مثل تحرك الجالس في السفينة عند حركتها بل تحرك الحجر المشكل بشكل الصنم فإنها انه يتحرك من حيث إنه جسم لا من حيث إنه صنم فيكون هو من حيث إنه صنم متحركا بالعرض واعلم أنا لو لم نعتبر في هذا التعريف قيد عدم الشعور دخلت النفوس الحيوانية فيه وأما القوة فقد ذكرنا في أول المنطق أنها مقولة على أمور كثيرة على سبيل النقل الا أن المراد بها هاهنا مبدأ التغير في آخر من حيث إنه آخر وانما شرطوا هذا حتى لا يكون الشيء الواحد قابلا وفاعلا معا فإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح المتن قوله الجسم البسيط هو الذي طبيعته واحدة ليس فيه تركيب قوى وطبائع فاعلم أنه ليس المراد منه أن لا يكون للجسم البسيط قوى وطبائع مختلفة وذلك لان كل واحد من العناصر إذا لم يختلط به غيره فهو بسيط مع أن لكل واحد منها قوى فان لكل واحد منها كيفية فعلية وكيفية انفعالية وأما الطبائع فلانا وقدرنا أن يكون للنار طبيعة تقتضى كونها حارة وطبيعة أخرى تقتضى كونها يابسة وطبيعة أخرى تقتضى كونها خفيفة فان على هذا التقدير يكون في النار طبائع كثيرة وهذا التقدير سواء صح أو بطل فإنها لا يقتضى خروج النار عن البساطة فإنه لما كان كل جزء يوجد من النار مساويا لسائر أجزائها ولكنها في جميع تلك القوى والطبائع كانت بسيطة بل المراد منه أن الجسم البسيط هو الذي لا يكون مركبا غير أجزاء تكون طبيعة كل واحد منها مخالفة لطبيعة الآخر واعلم أنه يجب أن يكون المراد بالطبيعة هاهنا ما هو أعم منها وهو الطبع حتى تندرج الأجسام الفلكية في ذلك التعريف وأما قوله والطبيعة الواحدة تقتضى من الأمكنة والاشكال وسائر ما لا بد للجسم أن يلزمه واحدا فاعلم أنه ليس المراد منه أن الطبيعة لا تقتضى الا أثر أحدا اما أولا فلان ذلك مما لا حاجة اليه هاهنا وأما ثانيا فلانه ذكر هاهنا كون الطبيعة مقضية للأمكنة والاشكال وسائر الأمور التي لا بد للجسم من لزومها مثل المقادير وسائر الاشكال والأوضاع مع أن الحق أن البسيط ليس له الا طبيعة واحدة بل المراد أن الطبيعة سواء أفادت أثرا واحدا أو أكثر من واحد فإنها لا توجب ذلك الأثر في وقت دون وقت وفي محل دون محل بل في جميع الأوقات والمحال في وتيرة واحدة لأنا بينا أن الطبيعة هي القوة التي يصدر عنها الأثر في محلها على ترتيب واحد من غير أن يكون لها بذلك الصدور شعور فإذا كان المراد من الطبيعة ذلك فما لم يكن كذلك لم يكن طبيعة وأما قوله فالجسم الذي لا يقتضى الأشياء غير مختلف فاعلم أنه انما أورد هذه القضية على أن تكون لازمة عما قبلها والذي قبلها هو أن البسيط ما له طبيعة واحدة والطبيعة الواحدة لا يصدر عنها لاثر على ترتيبات مختلفة وهذا القدر لا يقتضى الا أن يكون الفعل الطبيعي للأجسام البسيطة غير مختلف ولا يقتضى أن يكون كل فعل للجسم البسيط فهو غير مختلف لاحتمال أن تكون للبسيط قوة حيوانية تصدر عنه بها الافعال لا على ترتيب واحد لكنه لما كان الحق هو أن البسيط العنصري ليس فيه قوة حيوانية وأن البسيط الفلكي لا تصدر عن قوته فعل الا على ترتيب واحد لا جرم صح كلامه أن الجسم البسيط لا يصدر عنه الا أثر غير مختلف وان كان ذلك صحيحا في قوة العقل * ( إشارة [ في أن الجسم مطلقا غير محدد الجهات لا يخلو عن موضع ] انك لنعلم أن الجسم إذا خلى وطباعه ولم يعرض له من خارج تأثير غريب لم يكن له بد من وضع معين وشكل معين فإذا في طباعه مبدأ استيجاب ذلك