فخر الدين الرازي

76

شرح الفخر الرازى على الاشارات

عليه في بيان أن محدد الجهات هو الفلك الأول أن يقول انا لو قدرنا وجوده من غير أن يحصل في حشوه سائر الأفلاك فإنه يحصل به وحده ظرفا القرب والبعد منه فإذا كان هو وحده كافيا في ذلك لم يكن لغيره تأثير في ذلك فلا يكون المحدد الا هو ولكن لقائل أن يقول هذا الكلام انما يستقيم لو كان الفلك الأول متقدما في الوجود على غيره من الأفلاك حتى يقال إنه متى اجتمع على المعلول علتان مستقلتان بالعلية فإذا كانت إحداهما أقدم من الأخرى وجب استناد لمعلول إلى الا قدم فقط لكن الشيخ قد بين في النمط السادس من هذا الكتاب انه ليس للفلك المحيط تقدم على الفلك المخاطبة في الوجود وإلا لزم كون في الخلاء ممكنا في ذاته ممتنعا لغيره وإذا لم يكن للحاوى تقدم بالوجود على الفلك المحوى لم يصح الجزم باستناد هذا التحدد إلى الحاوي لأنه متى اجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة فلم يكن بعضها أقدم من البعض لم يصح الجزم باستناده إلى البعض دون البعض ثم لئن وقعت المساعدة على أن الفلك الحاوي على الاطلاق متقدم بالوجود على غيره ولكنه لا يمكن أن يكون علة لتحدد جهات الأجسام المستقيمة الحركة وذلك لان الجرم المصاقب للفلك الذي هو أجزاء الأفلاك من الجانب الذي يلينا وليكن ذلك هو النار المصاقبة لمقعر فلك القمر اما أن يكون مطلق بها مقعر بالفلك الأعظم أو مقعر فلك القمر والأول باطل والا لكانت النار أبدا خارجة عن حيزها الطبيعي فيكون قسرا دائما وهو خلاف المشهور وان كان الثاني فمقعر فلك القمر لا يتحدد الا لفلك القمر فإذا كون علة جهات الأجسام الحقيقية فلك القمر لكن المشهور لكلنى الجهتين شيء واحد فإذا محدد جهات الأجسام المستقيمة كلها هو الفلك الآخر لا الفلك المحيط الأعظم فهذا ما يمكن أن يقال في بيان أن محدد الجهات ليس هو الفلك المحيط وأما الذي يمكن أن يقال في بيان أن المحدد هو الفلك المحيط هو أن الفلك الأعظم لكونه أعظم وأقوى من غيره وانه يحرك غيره ولا يحركه غيره وجب استناد هذا التحديد اليه واعلم أنه لولا الشك الثاني والا لكان هذا الكلام يقتضى أن يكون استناد هذا التحديد إلى الفلك الأول أولى من استناده إلى غيره ولأجله قال الشيخ ولعله لا يكون المحدد الأول الا القسم الأول لكنه يشبه أن يكون الشك الثاني أقوى من هذا فلا جرم لم نحكم نحن بتلك الأولية أيضا وأما قوله فإن كان للقسم الثاني وجود فيتحدد بالأول موضعه ويتحدد به موضع الثاني ووضعه ثم يتحدد بعد ذلك جهات الحركات المستقيمة فاعلم أن المراد منه انه لو كان الحق هو أن محدد الجهات غير الفلك الأعظم فحينئذ يكون الفلك الأعظم علة مثلا لموضع فلك الثوابت ولوضعه وفلك الثوابت يكون علة مثلا لموضع فلك زحل ولو صنعه وهكذا كل فلك فإنه يكون علة لوضع الفلك الذي في حشوه الملاصق له ولو صنعه إلى أن ينتهى إلى الفلك الذي يكون علة لتحدد جهات الحركات المستقيمة وبالجملة فان كل فلك يتحدد فموضعه وموضعه بالفلك المحيط به وأما قوله ويكون الأول انما يخلق به أن يكون متقدما في رتبة الابداع فاعلم أن تفسيره انما يظهر بعد عد أقسام التقدم وهي خمسة أحدها بالعلية كتقدم المضيء على الضوء وثانيها بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين وثالثها بالشرف كتقدم العالم على الجاهل ورابعها بالمرتبة اما في أمر معقول كتقدم الجنس العالي على الجنس السافل إذا جعل الا على مبدأ وبالعكس إذا جعل النوع مبدأ أو في أمر محسوس كتقدم الامام على المأموم وخامسها التقدم بالزمان كتقدم الوالد على الولد وإذا عرفت ذلك فالفلك الحاوي ليس علة لسائر الأجسام فإذا لم يكن علة لتحدد جهاتها لم يكن له تقدم عليها لا بالعلية ولا بالطبع بل اما بالشرف أو بالرتبة أي انك إذا نزلت من المبدا الأول إلى المعلولات فان وصولك إلى الفلك الأول قبل وصولك إلى سائر الأجسام واعلم أن اثبات كون الفلك الأول متقدما على غيره كالمناقض في الظاهر لما سيأتي في النمط السادس من أن الفلك الحاوي لا تقدم له على المحوى أصلا لكنا ربما بينا هنالك أنه لا مناقضة بين هذين الكلامين وأما قوله ويكون متشابه نسبته وضع ما يعرض له أجزاء فيكون مستديرا فاعلم أن المراد منه بيان أن لمحدد يجب أن يكون مستديرا لان بعد الاجزاء المفترضة فيه لو كان أبعد عن المركز من بعض لكل اختصاص جزء عن المركز واختصاص جزء ببعد آخر عنه لا بد وأن يكون لان ذلك الحيز قد كان متحددا قبل حصول ذلك الجسم فيه على ما تقرر في التفصيل الأول من هذا النمط فلا يكون هو محدد الجهات هذا خلف فإذا الاجزاء المفترضة تكون متشابه النسبة إلى المركز ولا معنى للمستدير الا ذلك فإذا المحدد الأول مستدير وهو المطلوب ( المسألة الرابعة ) في شرح أمور تعم الأجسام كلها وهي سبعة فصول * ( تنبيه [ في بيان حال البسائط من الأجسام ] الجسم البسيط هو الذي طبيعته واحدة ليس فيه تركيب قوى وطبائع