فخر الدين الرازي
59
شرح الفخر الرازى على الاشارات
فبقى انه انما يكون التعلق من جانب واحد فإذا الهيولى والصورة في درجة التعلق والمعية سواء والصورة في الكائنة الفاسدة تقدم فيجب أن يطلب كيف هو ) التفسير لما ختم الإشارة التي قبل هذه الإشارة بقوله وبالجملة لا يمكنك أن تدير الإقامة بدأ في هذه الإشارة بالبرهان على امتناع حاجة كل واحد منهما إلى الآخر وهو القسم الثالث من الأقسام الأربعة التي صدرنا الباب بها والحجة على ذلك أنه لو وجد شيئان يكون كل واحد منهما مقيما للآخر وكل ما كان مقيما لغيره فهو متقدم على ذلك الغير لزم أن يكون كل واحد منهما متقدما على الآخر فيكون كل واحد منهما متقدما على ما هو متقدم على نفسه والمتقدم على المتقدم على الشيء يجب أن يكون متقدما على الشيء فيلزم أن يكون كل واحد منهما متقدما على نفسه وهو محال وأما قوله ولا يجوز أن يكون شيئان كل واحد منهما يقام مع الآخر ضرورة إلى آخره فاعلم أن المقصود منه ابطال القسم الرابع من الأقسام الأربعة التي صدرنا الباب بها وهو أن يكون كل واحد منهما قائما مع الآخر من غير أن يكون لأحدهما حاجة إلى الآخر والحجة فيه أن كل واحد منهما ان كان غنيا عن الآخر جاز أن يوجد كل واحد منهما بدون الآخر وان تعلق ذات كل واحد منهما بالآخر فلذات كل واحد منهما تأثير في أن يتم به وجود الآخر فيكون لكل واحد تقدم بوجه ما على الآخر وقد بان بطلان ذلك ولقائل أن يقول المطلوب هاهنا بيان أن الشيئين إذا كان كل واحد منهما غنيا عن الآخر وجب صحة وجود كل واحد منهما مع عدم الآخر وأنتم ما ذكرتم على صحة ذلك حجة بل ما زدتم الا إعادة الدعوى وليست هذه القضية أيضا بينة في العقل غنية عن البينة فإنه ليس من المستبعد أن يكون كل واحد منهما غنيا عن الآخر في ذاته الا أن حقيقة كل واحد منهما يقتضى أن يحصل لها هذا الوصف أعنى معية الآخر فهذا الاحتمال لو لم يكن له مثال من الموجودات لكان يحتاج في ابطاله إلى البرهان فكيف وان له مثالا من الموجودات فان الإضافات مثل الأبوة والبنوّة وغيرهما لا يوجدان الا معا مع أنه ليس لواحد منهما حاجة إلى الآخر اما أو لا فلان احدى الإضافتين لو احتاجت إلى الآخر لتأخر وجود المحتاج عن وجود المحتاج اليه فلا يكونان معا هذا خلف بالاتفاق وأما ثانيا فلانا نفرض الكلام في إضافتين متماثلتين مثل الاخوة والاخوة والمماسة والمماسة فإنهما لما كانتا مثلتين فلو احتاجت إحداهما إلى الأخرى لاحتاجت الأخرى إلى الأولى ولاحتاج كل واحد منهما إلى نفسه وكل ذلك محال وليس لهم أن يقولوا بأنه ليس هناك الا اخوة واحدة قائمة بالأخوين أو ينكروا وجود الإضافات فان هذين المذهبين باطلان عند الشيخ ونحن الآن انما نتكلم معه فلئن قيل هذا النوع من التلازم لا يعقل الا في الإضافات فنقول لما رأينا أن لهذا النوع من التلازم مثالا من الموجودات فمن ادعى انحصاره في الإضافات كان مفتقرا في تصحيح دعواه إلى بينة فأما قوله فبقى انه انما يكون التعلق من جانب واحد فإذا الهيولى والصورة لا يكونان في درجة التعلق والمعية سواء وللصورة الكائنة الفاسدة تقدم ما فيجب أن يطلب كيف هو فاعلم أنه لما أبطل في هذه الإشارة كون كل واحد منهما محتاجا إلى الآخر ويكون كل واحد منهما غنيا عن الآخر ثبت له انهما ليسا معا في درجة الوجود وكان قد بين في الإشارة التي قبل هذه الإشارة أن صور الكائنات الفاسدات منقسمة بوجه ما فعند ذلك قد بطلت الأقسام الثلاثة ولم يبق الا القسم الرابع وهو أن تكون الهيولى محتاجة إلى الصورة وهذا القسم قد ذكرنا أنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة أحدها أن تكون الصورة علة مطلقة وثانيها أن تكون آلة أو واسطة مطلقة وقد مضى ابطال هذين القسمين ولم يبق الا القسم الثالث الا أنه لم يتكلم في تحقيق ذلك بل ذكر أنه يجب أن يطلب كيفية ذلك التعلق * ( تنبيه [ في تحقيق سبب الأصل المشارك للصورة في العلية ] انما يمكن أن يكون ذلك على أحد الاقسام الباقية وهو أن تكون الهيولى توجد عن سبب أصلى وعن معين بتعقيب الصور إذا اجتمعا تم وجود الهيولى