فخر الدين الرازي
54
شرح الفخر الرازى على الاشارات
وقد تبين أن الهيولى سبب لذينك فتصير الهيولى سببا من أسباب ما به أو ما معه تتمة وجود لصورة لسابقة بتتمة وجودها للهيولي وهذا محال فقد انضح أنه ليس للصورة أن تكون علة للهيولي أو واسطة على الاطلاق ) التفسير المقصود من هذا الفصل بيان أن الصورة الجرمية وما يصحبها من الصور النوعية سواء كانت ممكنة الزوال كما في العناصر أو ممتنعة الزوال كما في الأفلاك فإنها لا تكون عللا مطلقة ولا وسائط مطلقة في وجود الهيولى والحجة المذكورة هاهنا مبنية على مقدمات أحدها أن المتأخر عن المتأخر عن الشيء يجب أن يكون متأخرا عن الشيء سواء كان ذلك التأخر بالذات أو بالزمان أو بسائر الاقسام وهذه مقدمة بيّنة عند العقل وثانيها أن الشيء الذي يكون مع ما هو متأخر عن شيء ثالث فإنه يجب أن يكون متأخرا عن ذلك الثالث والشيخ استعمل هذه المقدمة في النمط الثاني من هذا الكتاب في بيان أن محدد الجهات متقدم بالوجود على الأجسام المستقيمة الحركة قال لان محدد الجهات متقدم عليها والجهات اما مع الأجسام المستقيمة الحركة أو متقدمة عليها والمتقدم على المتقدم متقدم واستعملها أيضا في النمط السادس من هذا الكتاب حيث بين أن الحاوي لو كان متقدما على المحوى الذي هو مع عدم الخلاء لكان متقدما على الخلاء ثم زعم هناك بان الفلك الحاوي الذي هو مع العقل المتقدم على الفلك المحرى غير متقدم على الفلك المحوى فخرج منه أن ما مع القبل بالذات لا يجب أن يكون قبل وما مع البعد يجب أن يكون بعد والفرق مشكل وثالثها انا قد بينا أن الجسمية لا تنفك عن التناهي والتشكل وظاهر أنهما لا يوجدان الا مع الجسمية وبينا أن الجسمية لا يمكن أن تكون علة لهما فهما إذن غير متأخرين عن الجسمية وما لا يكون متأخرا عن الشيء فهو اما مع الشيء أو يكون متقدما عليه فثبت أن التناهي والتشكل اما أن يكونا قبل الجسمية أو معها وان حاول محاول بيان تقدم التناهي والتشكل على الجسمية أمكنه أن يقول قد ثبت أن كل أمرين غير اضافيين متلازمين فان أحدهما يكون محتاجا إلى الآخر والتشكل والجسمية كذلك فإذا أحدهما محتاج لكن التشكل غير محتاج إلى الجسمية على ما مر فإذا الجسمية محتاجة إلى التشكل فالتشكل يكون متقدما على الجسمية فالتناهى المتقدم على الشكل أولى أن يكون متقدما على الجسمية ولقائل أن يقول المعقول من الشكل هيئة إحاطة الحد الواحد أو الحدود الكثيرة بالسطح أو بالجسم وهيئة إحاطة الحد أو الحدود محتاجة في وجودها إلى تحقق وجود ذلك الحد أو تلك الحدود ويحقق ذلك الحد أو تلك الحدود يحتاج إلى تحقق مقدار الجسم لان السطح انما كان حدا للجسم لأنه نهاية ونهاية لشيء ومتأخرة في الوجود عن ذلك الشيء ومقدار الجسم محتاج في وجوده إلى الجسم لان المقدار عرض حال في الجسم والعرض متأخر في الوجود عن وجود المحل والجسم محتاج إلى الصورة الجسمية لان تلك الصورة جزء من ماهية الجسم وجزء الشيء متقدم في الوجود على ذلك الشيء فإذا التشكل والنهاية متأخران عن الصورة الجسمية بهذه المراتب فكيف يمكن أن يقال انهما متقدمان على الصورة الجسمية أو مقارنتان لهما وأما الذي تمسكوا به من الجسمية لما لم يكن عليه التناهي والتشكل لم يكن متقدما عليهما وما لا يكون متقدما على الشيء فهو اما مع الشيء أو بعده فالغلط في قولهم لما لم تكن الجسمية علة لهما لم تكن متقدمة عليهما فاما أن لا يكون علة الشيء لا يكون متقدما عليه تقدما بالعلية والتقدم بالعلية أخص من التقدم المطلق ولا يلزم من نفى الخاص نفى العام فلعل الجسمية وان لم تكن متقدمة عليهما بالعلية لكنها تكون متقدمة عليهما بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين أو كتقدم أجزاء الماهية المركبة على خواص تلك الماهية وعوارضها اللازمة والزائلة وان لم يكن شيء من تلك الأجزاء علة لشيء من تلك العوارض فهذا ما عندي في هذه المقدمة ورابعها أن التناهي والتشكل من توابع المادة وتقريره ما مر قبل وإذا عرفت هذه المقدمات فنقول الهيولى متقدمة على التناهي والتشكل وهما اما أن يكونا متقدمين على الجسمية أو موجودين مع الجسمية فالهيولى اما أن تكون متقدمة على ما يكون متقدما على الصورة أو يكون متقدمة على ما تكون مع الصورة وعلى التقديرين يلزم أن تكون الهيولى متقدمة على الصورة فلو كانت الصورة علة مطلقة وواسطة مطلقة في وجود الهيولى لزم تقدمها على الهيولى مع أنها كانت متأخرة عنها وهذا محال فثبت أن الصورة ليست علة مطلقة ولا واسطة مطلقة ولقائل أن يقول عندكم الصورة شريكة لشيء آخر باجتماعهما تتقوم الهيولى وجزء علة الشيء متقدم على الشيء لا محالة فلو كانت الهيولى تقدم بوجه ما عليها لزم الدور وهو محال والحاصل أن الذي فأبطلوا به كون الصورة علة مطلقة قائم عينه في كونها شريكة لشيء آخر باجتماعها تتقوم الهيولى فان بطل أحدهما بطل لآخر ضرورة ولنرجع إلى تفسير المتن أما قوله يجب أن تعلم أن الصورة الجرمية وما يصحيها ليس شيء منها سببا