فخر الدين الرازي
30
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ذلك فالشيخ لما أراد أن يعول على هذه الحجة في بيان امتناع وجود المقادير والصور المباينة عن المواد لا جرم احتاج إلى تقديم البرهان على تناهى الابعاد واعلم أن الحجة المذكورة هاهنا على تناهى الابعاد مبنية على مقدمات لا بد من تقديرها أولا ثم بناء الحجة عليها ثانيا فاولها أن الابعاد الغير المتناهية لو لم تكن ممتنعة لصح أن يخرج من نقطة واحدة امتدادان غير متناهيين لا يزال البعد بينهما يتزايد مثل ساقى مثلث ممتدين إلى غير النهاية وثانيها أنه يجوز أن يوجد من ذينك الامتدادين ابعاد تتزايد بقدر واحد من الزيادات مثل أن يكون البعد الأول ذراعا والثاني أن يكون زائدا على الأول بنصف ذراع والثالث يكون زائدا على الثاني بنصف ذراع وهلم جرا على هذا الترتيب بغير نهاية وانما احتجنا في هذه الحجة إلى فرض أن تكون تلك الزيادات بأسرها على قدر واحد لأنا نريد أن نقول إن الامتدادين لو كانا غير متناهيين لكانت الابعاد المفترضة بينهما غير متناهية فكانت الزيادات الحاصلة على البعد الأول غير متناهية ثم تبين أن تلك الزيادات بأسرها لا بد وأن تكون موجوده في بعد واحد من الابعاد المفترضة بين ذينك الامتدادين والبعد الذي يوجد فيه ابعاد متساوية غير متناهية لا بد وأن يكون غير متناه فذلك البعد مع كونه محصورا بين حاصرين يكون غير متناه وذلك محال ثم إن هذا الخلف لا يلزم الا إذا فرضنا تلك الزيادات متساوية فاما لو لم يقدر كونها متساوية لم يلزم من اجتماع الزيادات الغير المتناهية في الخط الواحد أن يصير ذلك الخط غير متناه ألا ترى أنا إذا نصفنا خطا بنصفين وجعلنا أحد النصفين أصلا ونصفنا النصف الثاني بنصفين آخرين وضممنا أحد نصفى الثاني إلى النصف الأول فهاهنا قد ازداد الأصل ثم إذا نصفنا الباقي مرة أخرى ونضم نصفه إلى الأصل صار الأصل أزيد مما كان ثم من المعلوم أن كل مقدار فإنه قابل لانقسامات غير متناهية فإذا الزيادات التي يمكن ضمها إلى الأصل غير متناهية مع أنه قط لا ينتهى إلى مثل مقدار الخط الذي قسمناه أو لا بنصفين فضلا عن أن يصير غير متناه فثبت بهذا ان الزيادة إذا كانت أقل من المزيد عليه فإنه لا يلزم من كون الزيادات غير متناهية كون المزيد عليه غير متناه فان قيل هب ان الزيادة إذا كانت أقل من المزيد عليه لم يلزم من كون الزيادات غير متناهية كون المزيد عليه غير متناه لكن الزيادات إذا كانت أكثر من المزيد عليه فإنه يلزم من كون الزيادات غير متناهية كون المزيد عليه غير متناه وإذا كان كذلك سقط اعتبار كون تلك الزيادات متساوية فنقول المثل موجود في الزائد فاعتبار المثل لا ينافي حصول الزائد فظهر ان كلام الشيخ لا ينافي هذا الاعتبار وثالثها أنه يجوز أن يفرض بين ذينك الامتدادين هذه الابعاد المتزايدة بقدر واحد من الزيادة إلى غير النهاية فيكون هناك امكان زيادات على أول تفاوت يفرض بغير نهاية ورابعها أن كل زيادة توجد فإنها مع المزيد عليه قد يوجد في بعد واحد مثلا زيادة الثالث على الثاني فزيادة الثاني على الأول موجودتان في الرابع مع زيادة أخرى وبالجملة فالبعد الفوقاني قد وجد فيه البعد الأول الذي فرضناه أصلا وسائر الزيادات الموجودة في الابعاد التي هي تحته مع زيادة أخرى وبالجملة فالبعد الفوقاني قد وجد فيه البعد الأول الذي فرضناه أصلا وسائر الزيادات الموجودة في الابعاد التي هي تحته مع زيادة أخرى فإذا عرفت هذه المقدمات فنقول اما أن يكون هناك بعد واحد يشتمل على جميع تلك الزيادات الغير المتناهية أو لا يكون والثاني محال لأنه اما أن يوجد فيما بين الامتدادين بعد لا يوجد فوقه بعد آخر واما أن لا يوجد والأول يوجب انقطاع الامتدادين اللذين افترضت الابعاد بينهما إذ لو لم ينقطعا لكان لا محالة يفترض فوق ذلك البعد بعد آخر لكنا فرضنا الامتدادين غير متناهين هذا خلف وأما الثاني فإنه يقتضى أن لا يكون هناك زيادة الا وهي حاصلة في بعد آخر فإذا صدق على كل واحد من تلك الزيادات انها حاصلة في غيره ومتى صدق على كل واحد منها انه حصل في غيره وجب أن يصدق على المجموع انه حصل في شيء لأنا قد بينا أن البعد الفوقاني لا بد وأن يوجد فيه جميع الزيادات الحاصلة في الابعاد التي تحته فإذا وجب أن يفرض فيما بين ذينك الامتدادين بعد واحد فيشتمل على جميع تلك الزيادات المتساوية الغير المتناهية فيكون ذلك البعد غير متناه مع أنه محصور بين الامتدادين الآخرين هذا خلف فثبت أن القول بامكان الامتدادين غير متناهيين أدى إلى أقسام باطلة فيكون القول به باطلا فان قيل هذه الحجة مبنية على أن في الابعاد المفترضة بين الامتدادين بعدا هو آخر الابعاد المفترضة بينهما وذلك لا يمكن اثباته الا بعد بيان ذينك الامتدادين متناهيين لأنهما لو كانا غير متناهيين لكان لا بعد الا وفوقه بعد آخر والبعد لا يكون مشتملا على الزيادة الموجودة في البعد الذي فوقه فلا يوجد هناك البتة بعد يشتمل على جميع تلك الزيادات الغير المتناهية فإذا دليلكم مبنى على مقدمة لا يمكن اثباتها الا بعد اثبات المطلوب وبالجملة فان فرضنا الابعاد متناهية أمكنا فرض بعد هو آخر الابعاد لكن لا يلزم من اشتماله على ما في تلك الابعاد غير المتناهية من الزيادات أن يكون هو غير متناه فلا يلزم من كونه محصورا بين حاصرين محال وان فرضنا الابعاد غير متناهية لم يمكنا أن نفرض بعدا هو آخر تلك الابعاد ومتى لم يمكن فرض ذلك لم يمكن اثبات بعد يشتمل على جميع تلك الزيادات الغير المتناهية وعلى التقديرين كانت الحجة ساقطة فنقول لا شك انا إذا فرضنا الابعاد غير متناهية لم يمكن أن نشير