فخر الدين الرازي

13

شرح الفخر الرازى على الاشارات

بل هو في نفسه كما هو عند الحس لكنه ليس مما لا ينفصل بوجه بل يجب أن يكون قابلا للانفصال ووقوع الانفصال اما بفك وقطع واما باختلاف عرضين فيه كما في البلقة واما بوهم وفرض ان امتنع الفك لسبب ) التفسير انما سمى هذا الفصل بالتنبيه لان مضمونه أن الجسم إذا لم يكن مؤلفا من أجزاء متناهية أو غير متناهية كان في نفسه سببا واحدا وهذه القضية لا يحتاج في تصحيحها إلى حجة وبرهان بل يكفى فيها مجرد التنبيه والاخطار بالبال وأما قوله أليس إذا أوجب النظر أن الجسم لا يجوز أن يكون مؤلفا من مفاصل غير متناهية فاعلم أن معناه ظاهر ولكن فيه دقيقة وهي أن الذي ثبت بالبرهان ليس الا أن الأجسام المتناهية المقادير لا يجوز أن يكون متألفا من أجزاء غير متناهية ولم يثبت بهذا القدر أن كل جسم فإنه لا يجوز أن يكون مؤلفا من أجزاء غير متناهية لأنه لو ثبت جسم غير متناهي المقدار فإنه لا يظهر بالحجة التي مضت امتناع تألفه من أجزاء غير متناهية اللهم الا أن يثبت بدليل آخر وجود تناهى الأجسام في المقادير وثبت بالدليل الذي مضى أن كل جسم متناهي المقدار فإنه لا يجوز أن يكون مؤلفا من أجزاء غير متناهية العدد لأنه لو ثبت غير متناهي المقدار فإنه لا يظهر بالحجة التي مضت امتناع تألفه من أجزاء غير متناهية العدد ولكن الشيخ بعد لم يبين وجوب تناهى الأجسام في مقاديرها فكيف يجوز أن يقول أليس ان النظر إذا أوجب ذلك وإذا عرفت ذلك فنقول الشيخ لأجل هذا السر لم يورد هذه القضية كلية أي لم يقل النظر أوجب في كل جسم انه لا يجوز أن يكون مؤلفا من مفاصل غير متناهية ولم يوردها أيضا جزئية لان افراد البعض بالذكر وان كان لا يقتضى أن يكون ما عداه بخلافه من حيث اللفظ ولكنه يوهم ذلك من حيث العرف مع أن هذا الايهام باطل فإنه متى ثبت تناهى الأجسام ثبت انه لا شيء من الأجسام بمؤلف من أجزاء غير متناهية بل أوردها مهملة فقال أليس إذا أوجب النظر ان الجسم لا يجوز أن يكون مؤلفا من مفاصل غير متناهية والمهملة في قوة الجزئية مع أنها لا تشعر بالوهم الكاذب الذي تشعر به الجزئية فلا جرم كان ايرادها مهملة أولى من ايرادها كلية أو جزئية وأما قوله وانه ليس يجب أن يكون لكل جسم مفاصل متناهية إلى ما لا ينفصل فمعناه ظاهر ولكن فيه دقيقة وهي انه ذكر في الأول انه يجب ان لا يكون وهنا ذكر انه لا يجب أن يكون والسبب فيه أن تركب الجسم من الاجزاء الغير المتناهية فإنه غير ممتنع فلا جرم قال إنه لا يجوز أن يكون وأما تركبه من الاجزاء المتناهية فإنه غير ممتنع لكنه غير واجب فلا جرم لم يقل انه يجب أن لا يكون بل قال إنه لا يجب أن يكون وأما قوله فقد أوجب امكان وجود جسم ليس لامتداده مفاصل ولكنه فيه اشكال وهو أن لقائل أن يقول الجسم إذا كان قابلا لانقسامات غير متناهية وثبت أن خروج كلها إلى الفعل محال فحينئذ يجب وجود جسم لا يكون لامتداد مفاصل وإذا كان ذلك واجبا فلما ذا قال الشيخ فقد أوجب امكان وجود جسم ليس لامتداده مفاصل ولم يقل فقد أوجب وجود جسم ليس لامتداده مفاصل وجوابه لعل المراد بالامكان الامكان العام الذي لا ينافي الوجوب وبتقدير أن يكون المراد به الامكان الخاص الا انه لا جسم ولا يمكن ان ينقسم بالفعل بل الممتنع حصول كلها بالفعل ولا منافاة بين امتناع حصولها بالكلية وبين جواز حصول كل واحد منها وإذا كان كذلك فليس في الوجود جسم يجب أن لا يكون لامتداده المفاصل اللهم الا لعائق خارجي كما في الأفلاك واما قوله بل هو في نفسه كما هو عند الحس فمعناه أن الانسان إذا نظر إلى الماء الواحد مثلا فإنه لا يحس بشيء من المفاصل والابعاض فيه فكما أنه لا مفاصل لذلك الماء عند الحس فكذلك لا مفاصل له في نفسه واما قوله لكنه ليس مما لا ينفصل بوجه إلى آخره فمعناه أنه لما ثبت امكان جسم عديم المفاصل فذلك الجسم ليس مما لا يقبل الانفصال بل الحس شاهد بأنه قابل للانفصال وكل ما كان ممكن الاتصاف بشيء فان تلك الصفة الممكنة لا تحدث الا لسبب فإذ الحصول المفاصل بالفعل في الجسم سبب وليس ذلك الا أحد أمور ثلاثة أحدها الفك والقطع والثاني اختلاف العرضين كما في البلقة والثالث الوهم والغرض ان امتنع الفك لسبب كما في الأفلاك أو في الاجزاء التي تبلغ في الصغر إلى حيث لا ينقطع ولا يتفرق بنصف لعرضين مختلفين فهذا هو التفسير وأما المباحث الحقيقية في هذا الفصل فهي مذكورة في الملخص وهاهنا آخر الكلام في نفى الجزء الذي لا يتجزأ ( المسألة الثانية ) في تفاريع نفى