لويس شيخون وآخرين

37

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

من الحاجة إلى اصلاح الرعيّة مثل ما بالرعية من الحاجة إلى اصلاح الوالي وقوّة بعضهم زيادة في قوة بعض ووهن بعضهم سريع في وهن بعض . وبعد الوالي من القدرة على اصلاح نفسه مع استفساد رعيّته كبعد الرأس من البقاء مع هلاك سائر البدن غير أنه أجدر باصلاح الرعية الصالحة من الرعية باصلاح الوالي الفاسد وافساد الوالي الصالح لفضل قوّته عليها ووهن قوّتها عن قوّته . وقد قال اومير الشاعر : انّ الائمّة يصلحون المؤتمّين بفضل قوّتهم فاما الائمّة فلا يصلحهم مؤتمّ وأحذّرك الحرص فأمّا ما هو مصلحك ومصلح على يديك فالزهد يتمّ باليقين واليقين يحصل بالفكر « 1 » فإذا فكّرت في الدنيا لم تجدها اهلا لأن تكرمها بهوان الآخرة لانّ الدنيا دار بلاء ومنزل قلعة « 2 » وقد قال اومير الشاعر : كلّ ضدّ مخالف ضدّه ولا خير في شيء يزول ويذهب . اتّهم اخلاقك السيّئة فإنها إذا اتّصلت بها حاجاتها من الدنيا كانت كالحطب للنار وكالماء للسمك وإذا عزلتها عنك وحلت بينها وبين ما تهوى انطفأت كانطفاء النار عند فقدان الحطب وهلكت هلاك السمك عند فقدان الماء إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فانّ من لم تكن له قناعة فليس المال معينه وان كثر وقال اوميروس : لا مال عند من ترك القناعة ولا خير في المرء إذا لم يكن قنعا واعلم انّ من علامة شغل « 3 » الدنيا وكدر عيشها انّه لا يصلح منها جانب الّا بفساد آخر « 4 » فلا سبيل لصاحبها إلى عزّ الّا بتذلّل ولا إلى استغناء الّا بافتقار . واعلم انّ الدنيا ربما أصيبت بغير حزم في الرأي ولا فضل في الدين فان أصبت حاجتك منها وأنت مخطئ أو أدبرت عنك وأنت مصيب فلا يستخفنّك ذلك إلى معاودتها « 5 » ومجانبة الصواب . لا تضنّنّ على الناس بما ترغب فيه ولا تأت إليهم بما تكره ان يؤتى إليك . قاتل هواك واقصر رغبتك واكفف شهوتك وأحلل الحقد من قلبك وطهّر من الحسد نفسك واقبض إليك أملك فانّ الامل إذا بسطته أقسى قلبك وشغلك عن معادك . وليكن ممّا تستعين به على إطفاء الغضب علمك بانّ الزلل لا يخلو منه أحد وبه وقع صاحبك ولعلّ عدوّا لك حمله على ذلك . فان أطعت هواك في أخيك الذي اتى على يديه الذنب إليك

--> ( 1 ) روى ابن أبي اصيبعة : واعلم انّ الزهد باليقين واليقين بالصبر والصبر بالفكر ( 2 ) روى ابن أبي اصيبعة : بلغة ( 3 ) ويروى : تنقّل ( 4 ) يروى : جانب آخر ( 5 ) يروى : معاودة الخطأ