لويس شيخون وآخرين

6

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

ويبث كلابة في أقطارها ليحرسها من السباع العادية ومن الآفات الطارقة من السرق والغارة والنهب وان يختار لها المشتى الدفيء والمصيف الريح ويرود لها في طلب الكلاء والنطف « 1 » العذاب وان يتحيّن وقت عملها وان يترقّب حين نتاجها ويلزمه بعد ذلك ان يسوقها إلى مصالحها ويصرفها عن متألفها بنعيقه وصفيره وبزجره ووعيده . فان كفاه ذلك في حسن انقيادها واستقامة ضلعها والّا اقدم عليها بعصاه . كذلك يلزم ذا الأهل والولد والخدم والتّبع معها يحق عليه من حفظهم وحياطتهم ومن تحمّل مؤنهم وإدرار أوراقهم إحسان سياستهم وتقويمهم بالترغيب والترهيب وبالوعد والوعيد وبالتقريب والتبعيد وبالاعطاء والحرمان حتى تستقيم له قناتهم فهذه أقاويل مجملة في وجوب السياسة والحاجة إليها وسنتبعها بأمثلة مفسرة في أبواب مفصّلة بعد ان نقدّم قبلها بابا في سياسة الرجل نفسه فان ذلك أحسن في النظم وأبلغ في النفع ان شاء اللّه تعالى 1 في سياسة الرجل نفسه ان أول ما ينبغي ان يبدأ به الانسان من أصناف السياسة سياسة نفسه إذ كانت نفسه أقرب الأشياء اليه واكرمها عليه وأولاها بعنايته ولأنه متى أحسن سياسة نفسه لم يعي بما فوقها من سياسة المصر . ومن أوائل ما يلزم من رام سياسة نفسه ان يعلم أن له عقلا هو السائس ونفسا امّارة بالسوء كثيرة المعايب جمّة المساوئ في طبعها واصل خلقها هي المسوسة ( r 65 ) وان يعلم أن كل من راء اصلاح فاسد لزمه ان يعرف جميع فساد ذلك الفاسد معرفة مستقصاة حتى لا يغادر منه شيئا ثم يأخذ في اصلاحه والّا كان ما يصلحه غير حريز ولا وثيق . كذلك من رام سياسة نفسه ورياضتها واصلاح فاسدها لم يجز له ان يبتدئ في ذلك حتى يعرف جميع مساوئ نفسه معرفة محطية فإنه ان اغفل بعض تلك المساوئ وهو يرى أنه قد عمّها بالاصلاح كان كمن يدمل ظاهر الكلم وباطنه مشتمل على الداء . وكما أن الداء إذا قوي على الاعمال وطول الترك نقض الاندمال وقذف الجلد حتى يبدو لعين الناظر . كذلك العيب الواحد من معايب النفس إذا أغفل عنه كامنا حتى إذا لاح له وجه ظهور طلع مكتمنه آمن ما كان

--> ( 1 ) جمع نفطة وهي الماء الصافي‍