لويس شيخون وآخرين

3

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

من اجله عجزهم . ثم خصّ بني آدم بخصائص من نعمه فضّلهم بها على كثير من خلقه فجعلهم أحسن الخلق وطبائعهم أكمل الطبائع وتركيبهم اعدل التركيب ومعيشتهم أنعم المعاش وسعيهم في منقلبهم اردّ السعي إلى العقول الرضيّة التي امدّهم بها والأحلام الراجحة التي أيّدهم بفضلها والآداب الحسنة التي ألبسهم جمالها والاخلاق الكريمة التي زيّنهم بشرفها مع التمييز الذي أراهم به فرق ما بين الخير والشر وخلاف ما بين الغيّ والرشد وفضّل ما بين الصانع والمصنوع والمالك والمملوك والسانس والمسوس حتى صار ذلك طريقا لهم إلى معرفة « 1 » ما بين الخالق والمخلوق وسبيلا واضحا إلى تثبيت الصانع القديم إلّا جحود عناد أو مكابرة عيان ( التفاوت بين الناس في الصفات والرتب ) ثم منّ عليهم بفضل رأفته منّا مستأنفا بان جعلهم في عقولهم وآرائهم متفاضلين كما جعلهم في املاكهم ومنازلهم ورتبهم متفاوتين لما في استواء أحوالهم وتقارب اقدارهم من الفساد الداعي إلى فنائهم لما يلقي بينهم من التنافس والتحاسد ويثير من التباغي والتظالم . فقد علم ذوو العقول ان الناس لو كانوا جميعا ملوكا لتفانوا عن آخرهم ولو كانوا كلهم سوقة لهلكوا عيانا بأسرهم كما أنهم لو استووا في الغنى لما مهن أحد لاحد ولا رفد حميم حميما ولو استووا في الفقر لماتوا ضرّا وهلكوا بؤسا . فلمّا كان التحاسد من اطباعهم والتباهي من سوسهم وفي أصل جوهرهم كان اختلاف اقدارهم وتفاوت أحوالهم سبب بقائهم وعلّة لقناعتهم . فذو المال الغفل من العقل العطل من الأدب المدرك حظه من الدنيا بأهون سعي إذا تأمل حال العاقل المحروم واكدار الحوّل « 2 » القلب « 3 » ظنّ بل أيقن ان المال الذي وجده مغير من العقل الذي عدمه . وذو الأدب المعدم إذا تفقّد حال المثري الجاهل لم يشك في أنه فضّل عليه وقدّم دونه وذو الصناعة التي تعود عليه بما ( r 94 ) يمسك رمقه لا يغبط ذا السلطان العريض ولا ذا الملك المديد وكل ذلك من دلائل الحكمة وشواهد لطف التدبير وامارات الرجمة والرأفة

--> ( 1 ) وفي الأصل : المعرفة ( 2 ) الشديد الاحتيال ( 3 ) البصير بتقليب الأمور