ابو بكر بن طفيل

93

حي بن يقظان

وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وجنته وناره ، هي أمثلة هذه التي شاهدها حي ابن يقظان . فانفتح بصر قلبه ، وانقدحت نار خاطره ، وتطابق عنده المعقول والمنقول ، وقربت عليه طرق التأويل ، ولم يبق عليه مشكل في الشرع الا تبين له ، ولا مغلق الا انفتح ، ولا غامض الا اتضح . وصار من أولي الألباب . وعند ذلك نظر إلى حي بن يقظان بعين التعظيم والتوقير . وتحقق عنده انه من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون « 1 » . فالتزم خدمته والاقتداء به والأخذ باشاراته فيما تعارض عنده من الاعمال الشرعية التي كان قد تعلمها في ملته . آسال يصف لحي شأن أهل جزيرته وجعل حي بن يقظان يستفحصه عن امره وشأنه . فجعل آسال يصف له شأن جزيرته وما فيها من العالم ؛ وكيف كانت سيرهم قبل وصول الملة إليهم ؛ وكيف هي الآن بعد وصولها إليهم . ووصف له جميع ما ورد في الشريعة من وصف العالم الإلهي ، والجنة والنار ، والبعث والنشور ، والحشر والحساب ، والميزان والصراط . ففهم حي ابن يقظان ذلك كله ؛ ولم ير فيه شيئا على خلاف ما شاهده في مقامه الكريم . يتأكد حي من صدق رسالة النبي الذي اتى إلى هذه الجزيرة ، ويعتنق مذهب اسال فعلم أن الذي وصف ذلك ، وجاء به ، محق في وصفه ، صادق في قوله ، رسول من عند ربه . فآمن به وصدقه ، وشهد برسالته . ثم جعل يسأله عما جاء به من الفرائض ووضعه من العبادات . فوصف له الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبهها من الاعمال الظاهرة . فتلقى ذلك والتزمه ؛ واخذ نفسه بأدائه ، امتثالا للامر الذي صحّ عنده صدق قائله . الا انه بقي في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري وجه الحكمة فيهما : أحدهما : لم ضرب هذا الرسول الأمثال للناس في أكثر ما وصفه من امر العالم الإلهي ، واضرب عن المكاشفة ، حتى وقع الناس في امر عظيم من التجسيم ، واعتقاد

--> ( 1 ) قرآن كريم 2 / 36 ، 264 ، 275