ابو بكر بن طفيل
78
حي بن يقظان
ان كان مما يزال ؛ وفصل بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضرّ المؤذي ؛ وتعهده بالسقي ما أمكنه . ومتى وقع بصره على حيوان قد ارهقه ضبع أو نشب به ناشب ، أو تعلق على شوك ، أو سقط في عينيه أو اذنيه شيء يؤذيه ، أو مسه ظمأ أو جوع ، تكفل بإزالة ذلك كله عن جهده ، وأطعمه وسقاه . ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان ، وقد عاقه عن ممره عائق ، من حجر سقط فيه ، أو جرف انهار عليه ، أزال ذلك كله عنه . وما زال يمعن في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ فيه الغاية . اعتناؤه بنظافة نفسه ، إذ ان الأجسام السماوية تتلألأ نورا وجمالا واما الضرب الثاني : فكان تشبهه بها فيه ، ان الزم نفسه دوام الطهارة ، وإزالة الدنس والرجس عن جسمه ، والاغتسال بالماء في أكثر الأوقات ، وتنظيف أظفاره وأسنانه ومغابن « 1 » بدنه ، وتطييبها بما أمكنه من طيب النبات وصنوف الدواهن العطرة ، وتعهد لباسه بالتنظيف والتطييب ، حتى كان يتلألأ حسنا وجمالا ونظافة وطيبا . وتقليده لحركاتها بدورانه حول الجزيرة وحول نفسه والتزم مع ذلك ضروب الحركة على الاستدارة : فتارة كان يطوف بالجزيرة ، ويدور على ساحلها ، ويسيح باكنافها . وتارة كان يطوف ببيته أو ببعض الكدى « 2 » أدوارا معدودة ، اما مشيا ، واما هرولة . وتارة يدور على نفسه حتى يغشى عليه . تركيز تفكيره في واجب الوجود ؛ واعتراض الجسم له واما الضرب الثالث : فكان تشبهه بها فيه ان كان يلازم الفكرة في ذلك الموجود الواجب الوجود ، ثم يقطع علائق المحسوسات ، ويغمض عينيه ويسد اذنيه ، ويضرب جهده عن تتبع الخيال ، ويروم بمبلغ طاقته ان لا يفكر في شيء سواه ، ولا يشرك به أحدا ، ويستعين على ذلك بالاستدارة على نفسه والاستحثاث فيها . فكان إذا
--> ( 1 ) مغابن : الإبط وكل مجمع قذارة في الجسم . ( 2 ) الكدى : جمع كدية : الأرض الصلبة الغليظة .