ابو بكر بن طفيل

64

حي بن يقظان

من صفات فاعل العالم : أنه فاعل مختار . ثم تأمل في جميع أصناف الحيوان كيف « أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ، ثُمَّ هَدى » « 1 » لاستعماله . فلولا انه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في وجوه المنافع المقصودة بها ، لما انتفع بها الحيوان ، وكانت كلّا عليه . فعلم بذلك انه أكرم الكرماء وارحم الرحماء . لا نسبة بين صفاته وصفات الكائنات في هذا العالم . ثم إنه مهما نظر شيئا من الموجودات له حسن ، أو بهاء ، أو كمال ، أو قوة ، أو فضيلة من الفضائل - اي فضيلة كانت - تفكر وعلم أنها من فيض ذلك الفاعل المختار - جل جلاله - ومن جوده ، ومن فعله . فعلم أن الذي هو في ذاته أعظم منها وأكمل ، وأتم وأحسن ، وابهى وأجمل وأدوم . وانه لا نسبة لهذه إلى تلك . فما زال يتتبع صفات الكمال كلها ، فيراها له وصادرة عنه ، ويرى أنه أحق بها من كل ما يوصف بها دونه . وتتبع صفات النقص كلها ، فرآه بريئا منها ، ومنزها عنها ، وكيف لا يكون بريئا منها وليس معنى النقص الا العدم المحض ، أو ما يتعلق بالعدم ؛ وكيف يكون العدم تعلق أو تلمس بمن هو الموجود المحض الواجب الوجود بذاته ، المعطي لكل ذي وجود وجوده . فلا وجود الا هو : فهو الوجود ، وهو الكمال ، وهو التمام ، وهو الحسن ، وهو البهاء ، وهو القدرة ، وهو العلم ، وهو هو ، و « كل شيء هالك الا وجهه » « 2 » . وكان ذلك وله 35 عاما فانتهت به المعرفة إلى هذا الحد على رأس خمسة أسابيع من منشئه ، وذلك خمسة وثلاثون عاما .

--> ( 1 ) قرآن كريم سورة طه آية 50 ( 2 ) قرآن كريم سورة القصص الآية 88 ملاحظة : رد ابن طفيل الصفات إلى الذات ، وهنا يتفق مع المعتزلة .