ابو بكر بن طفيل
50
حي بن يقظان
في وقت ما ؟ فلم يجد ذلك في الأجسام التي لديه ، وانما طلب ذلك لأنه طمع ان يجده ، فيرى طبيعة الجسم من حيث هو جسم ، دون ان يقترن به وصف من الأوصاف التي هي منشأ التكثر . الثقل والخفة ليسا بجسم ؛ هما لمعنى زائد على الجسمية : لو كانا جسما لوجدا معا له ؛ ولكن شاهد ان الثقيل لا توجد فيه الخفة والخفيف لا يوجد فيه الثقل . فلما أعياه ذلك ، ونظر إلى الأجسام التي هي أقل الأجسام حملا للأوصاف ، فلم يرها تعرى عن أحد هذين الوصفين بوجه : وهما اللذان يعبر عنهما بالثقل والخفة . فنظر إلى الثقل والخفة ، هل هما للجسم من حيث هو جسم ؟ أو هما لمعنى زائد على الجسمية ؟ فظهر له انهما لمعنى زائد على الجسمية لأنهما لو كانا للجسم من حيث هو جسم ، لما وجد جسم الا وهما له . ونحن نجد الثقيل لا توجد فيه الخفة ؛ والخفيف لا يوجد فيه الثقل ، وهما لا محالة جسمان ، ولكل واحد منهما معنى منفرد به عن الآخر ، زائد على جسميته ، وذلك المعنى هو الذي به غاير كل واحد منهما الآخر . ولولا ذلك لكانا شيئا واحدا من جميع الوجوه . الأجسام مشتركة بالجسمية واختلافها بالثقل أو الخفة . فتبين له ان حقيقة كل واحد من الثقيل والخفيف مركبة من معنيين : أحدهما ما يقع فيه الاشتراك منهما جميعا ، وهو معنى الجسمية ، والآخر ما تنفرد به حقيقة كل واحد منهما عن الآخر ، وهما اما الثقل في أحدهما واما الخفة في الآخر ، المقترنان بمعنى الجسمية ، اي المعنى الذي يحرك أحدهما علوّا والآخر سفلا . جميع الأجسام الجامدة والحية مركبة من الجسمية وشيء آخر زائد على الجسمية ؛ هذا الشيء الزائد هو الصورة - وهي طبيعة الشيء - وبها يتميز كل جسم عن باقي الأجسام . وذلك ترديد لنظرية أرسطو في الهيولى والصورة وكذلك نظر إلى سائر الأجسام من الجمادات والاحياء ، فرأى أن حقيقة وجود كل