ابو بكر بن طفيل
47
حي بن يقظان
الا انه انقسم على قلوب كثيرة ، وانه لو أمكن ان يجمع جميع الذي افترق في تلك القلوب منه ويجعل في وعاء واحد ، لكان كله شيئا واحدا ، بمنزلة ماء واحد أو شراب واحد ، يفرق على أوان كثيرة ، ثم يجمع بعد ذلك . فهو في حالتي تفريقه وجمعه شيء واحد ، وانما عرض له التكثر بوجه ما . فكان يرى النوع كله بهذا النظر واحدا ، ويجعل كثرة اشخاصه بمنزلة كثرة أعضاء الشخص الواحد التي لم تكن كثيرة في الحقيقة . الحيوان : جميع أنواع الحيوان تشترك في أنها تحس وتغتذي وتتحرك وهذه هي خصائص الروح الحيواني . ثم كان يحضر أنواع الحيوان كلها في نفسه ، ويتأملها ، فيراها تتفق في أنها تحس وتتغذى ، وتتحرك بالإرادة إلى اي جهة شاءت . وكان قد علم أن هذه الأفعال هي أخص افعال الروح الحيواني ، وان سائر الأشياء التي تختلف بها بعد هذا الاتفاق ، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني . فظهر له بهذا التأمل ، ان الروح الحيواني الذي لجميع جنس الحيوان واحد بالحقيقة ، وان كان فيه اختلاف يسير ، اختص به نوع دون نوع ، بمنزلة ماء واحد مقسوم على أوان كثيرة ، بعضه أبرد من بعض ، وهو في أصله واحد . وكل ما كان في طبقة واحدة من البرودة ، فهو بمنزلة اختصاص ذلك الروح الحيواني بنوع واحد . وبعد ذلك ، فكما ان ذلك الماء كله واحد ، فكذلك الروح الحيواني واحد ، وان عرض له التكثر بوجه ما . فكان يرى جنس الحيوان كله واحدا بهذا النوع من النظر . النبات : جميع أنواع النبات مشتركة ببعض الافعال . ثم كان يرجع إلى أنواع النبات على اختلافها ، فيرى كل نوع منها تشبه اشخاصه بعضها بعضا في الأغصان ، والورق ، والزهر ، والثمر ، والافعال . فكان يقيسها بالحيوان ، ويعلم أن لها شيئا واحدا اشتركت فيه ، هو لها بمنزلة الروح للحيوان ، وانها بذلك الشيء واحد . وكذلك كان ينظر إلى جنس النبات كله ، فيحكم باتحاده بحسب ما يراه من اتفاق فعله في أنه يتغذى وينمو .