ابو بكر بن طفيل
45
حي بن يقظان
يستألف بعض الطيور والحيوانات . واستألف جوارح الطير ليستعين بها في الصيد ، واتخذ الدواجن لينتفع ببيضها وفراخها . واتخذ من صياصي البقر الوحشية شبه الأسنة وركبها في القصب القوي وفي عصي الزان وغيرها . واستعان في ذلك بالنار وبحروف الحجارة حتى صارت شبه الرماح . واتخذ ترسه من جلود مضاعفة . كل ذلك لما رأى من عدمه السلاح الطبيعي . ويستخدمها في مطاردة الحيوانات الأخرى . ولما رأى أن يده تفي له بكل ما فاته من ذلك - وكان لا يقاومه شيء من الحيوانات على اختلاف أنواعها ، الا انها كانت تفرّ عنه ، فتعجزه هربا ، فكر في وجه الحيلة في ذلك ، فلم ير شيئا انجح له من أن يتألف بعض الحيوانات الشديدة العدو ، ويحسن إليها باعداد الغذاء الذي يصلح لها حتى يتأتى له الركوب عليها ، ومطاردة سائر الأصناف بها . وكان بتلك الجزيرة خيل برية ، وحمر وحشية . فاتخذ منها ما يصلح له ، وراضها حتى كمل له بها غرضه ، وعمل عليها من الشرك والجلود أمثال الشكائم والسروج . فتأتي له بذلك ما امّله من طرد الحيوانات التي صعبت عليه الحيلة في اخذها . وانما تفنن في هذه الأمور كلها في وقت اشتغاله بالتشريح وشهوته في وقوفه على خصائص أعضاء الحيوان ، وبما ذا تختلف ، وذلك في المدة التي حددنا منتهاها بأحد وعشرين عاما . الجزء الثالث : حي يرتقي من المعرفة عن طريق الحواس والتجربة إلى معرفة عقلية قائمة على الاستنتاج من التجربة في عالم الكون والفساد طبيعة المادة : الهيولى والصورة . ثم إنه بعد ذلك اخذ في مآخذ أخر ، فتصفح جميع الأجسام التي في عالم الكون والفساد « 1 » : من الحيوانات على اختلاف أنواعها ، والنبات ، والمعادن ، وأصناف الحجارة ، والتراب ، والماء ، والبخار ، والثلج ، والبرد ، والدخان ، والجليد ، واللهيب ، والحر . فرأى لها أوصافا كثيرة ، وافعالا مختلفة ، وحركات متفقة ومتضادة .
--> ( 1 ) الكون : تحول الشيء من حال أدنى إلى حال اسمى ( تحول البذرة إلى شجرة ، مثلا ) - الفساد تحول الشيء من حال اسمى إلى حال أدنى ( تحول الشجرة إلى رماد ، مثلا ) .