ابو بكر بن طفيل
41
حي بن يقظان
اندلاع النار في الجزيرة واستخدامه لها واتفق في بعض الأحيان ان انقدحت نار في أجمة قلخ « 1 » على سبيل المحاكّة . فلما بصر بها رأى منظرا هاله ، وخلقا لم يعتده قبل ، فوقف يتعجب منها مليا . وما يزال يدنو منها شيئا فشيئا ، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب والفعل الغائب ، حتى لا تعلق بشيء الا اتت عليه واحالته إلى نفسها . فحمله العجب بها وبما ركب اللّه تعالى في طباعه من الجرأة والقوة على أن يمد يده إليها ، وأراد ان يأخذ منها شيئا . فلما باشرها أحرقت يده ، فلم يستطع القبض عليها ، فاهتدى إلى أن يأخذ قبسا لم تستولى النار على جميعه . فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر ، فتأتي له ذلك ، وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي اليه . وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك . استخدمها في الإضاءة والتدفئة : النار تطلب العلو دائما فهي - في رأيه - من الجواهر السماوية . ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش والحطب الجزل ، ويتعهدها ليلا ونهارا استحسانا لها وتعجبا منها . وكان يزيد انسه بها ليلا لأنها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء والدفء . فعظم بها ولوعه ، واعتقد انها أفضل الأشياء التي لديه . وكان دائما يراها تتحرك إلى جهة فوق ، وتطلب العلو . فغلب على ظنه انها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها . وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بان يلقيها فيها ، فيراها مستولية عليها اما بسرعة واما ببطء ، بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه . شيّ الحيوان : مبتدئا بالسمك . وكان من جملة ما ألقى فيها ، على سبيل الاختبار لقوتها ، شيء من أصناف الحيوانات البحرية - كان قد ألقاه البحر إلى ساحله - فلما انضجت ذلك الحيوان وسطع قتاره « 2 » ، تحركت شهوته اليه . فأكل منه شيئا ، فاستطابه . فاعتاد بذلك اكل اللحم . فصرّف الحيلة في صيد البر والبحر ، حتى مهر في ذلك .
--> ( 1 ) قلخ : القصب الاجوف . ( 2 ) قتاره : رائحة الشواء .