ابو بكر بن طفيل

39

حي بن يقظان

مطلوبي شيئا بهذه الصفة ، انما مطلوبي الشيء الذي يختص به هذا الموضع الذي أجدني لا استغنى عنه طرفة عين ، واليه كان انبعاثه من أول . يلاحظ هنا تفكيره المنطقي : لكل عضو وظيفة حتما ، فالتجويف الأيسر الفارغ كان يحوي ، بلا شك ، ما يطلبه حي واما هذا الدم ، فكم مرة جرحتني الوحوش والحجارة ، فسال مني كثير منه ، فما ضرني ذلك ، ولا افقدني شيئا من افعالي . فهذا بيت ليس فيه مطلوبي . واما هذا البيت الأيسر فأراه خاليا ، لا شيء فيه . وما أرى ذلك لباطل . فان رأيت كل عضو من الأعضاء انما هو لفعل يختص به ، فكيف يكون هذا البيت على ما شاهدت من شرفه باطلا ؟ ما أرى الا ان مطلوبي كان فيه ، فارتحل عنه واخلاه . وعند ذلك طرأ على هذا الجسد من العطلة ما طرأ ، ففقد الادراك وعدم الحراك . فلما رأى أن الساكن في ذلك البيت قد ارتحل قبل انهدامه ، وتركه وهو بحاله ، تحقق انه احرى ان لا يعود اليه بعد ان حدث فيه من الخراب والتخريق ما حدث . احتقاره الجسد : يتساءل عن الشيء الذي ترك التجويف الأيسر . فصار عنده الجسد كله خسيسا ، لا قدر له بالإضافة إلى ذلك الشيء الذي اعتقد في نفسه انه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك . فاقتصر على الفكرة في ذلك الشيء ، ما هو ؟ وكيف هو ؟ وما الذي ربطه بهذا الجسد ؟ وإلى اين صار ؟ ومن اي الأبواب خرج عند خروجه من الجسد ؟ وما السبب الذي ازعجه ان كان خرج كارها ؟ وما السبب الذي كرّه اليه الجسد حتى فارقه ، ان كان خرج مختارا ؟ بدأ يميز بين الجسم وشيء آخر في الجسم علة الحركة والعطف والحنان دون ان يدري ما هو هذا الشيء الآخر وتشتّت فكره في ذلك كله ، وسلا عن ذلك الجسد ، وطرحه ، وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته ، انما كانت ذلك الشيء المرتحل وعنه كانت تصدر تلك