ابو بكر بن طفيل
35
حي بن يقظان
شعوره بعراه وستر عراه بريش الطيور . فكانت نفسه عند ذلك تنتزعه إلى اتخاذ ذنب من أذناب الوحوش الميتة ، ليعلقه على نفسه . الا انه كان يرى احياء الوحوش تتحامى ميتها ، وتفرّ عنه ، فلا يتأتى له الاقدام على ذلك الفعل إلى أن صادف في بعض الأيام نسرا ميتا فهدي إلى نيل امله منه ، واغتنم الفرصة فيه ، إذ لم ير للوحوش عنه نفرة ، فأقدم عليه ، وقطع جناحيه وذنبه صحاحا كما هي ، وفتح ريشها وسواها ، وسلخ عنه سائر جلده ، وفصله على قطعتين : ربط إحداهما على ظهره ، والأخرى على سرّته وما تحتها ، وعلّق الذنب من خلفه ، وعلق الجناحين على عضديه ، فأكسبه ذلك سترا ودفئا ومهابة في نفوس جميع الوحوش ، حتى كانت لا تنازعه ولا تعارضه . موت الظبية . فصار لا يدنو اليه شيء منها ، سوى الظبية التي كانت أرضعته وربته . فإنها لم تفارقه ولا فارقها إلى أن اسنت وضعفت ، فكان يرتاد بها المراعي الخصبة ، ويجتني لها الثمرات الحلوة ويطعمها . وما زال الهزال والضعف يستولي عليها ويتوالى ، إلى أن أدركها الموت ، فسكنت حركاتها بالجملة ، وتعطلت جميع افعالها . فلما رآها الصبي على تلك الحالة ، جزع جزعا شديدا ، وكادت نفسه تفيض أسفا عليها . فكان يناديها بالصوت الذي كانت عادتها ان تجيبه عند سماعه ، ويصيح بأشد ما يقدر عليه ، فلا يرى لها عند ذلك حركة ولا تغييرا . لا تبدل ظاهر . فكان ينظر إلى اذنيها وإلى عينيها ، فلا يرى بها آفة ظاهرة ، وكذلك كان ينظر إلى جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة . فكان يطمع ان يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها ، فترجع إلى ما كانت عليه ، فلم يتأت له شيء من ذلك ، ولا استطاعه . وكان الذي ارشده لهذا الرأي ما كان قد اعتبره في نفسه قبل ذلك ، لأنه كان يرى أنه إذا غمّض عينيه ، أو حجبهما بشيء ، لا يبصر شيئا ، حتى يزول ذلك العائق .