ابو بكر بن طفيل
29
حي بن يقظان
الماء إلى تلك الأجمة . فكان المد لا ينتهي إليها . وكانت مسامير التابوت قد قلقت ، والواحه قد اضطربت عند رمي الماء إياه في تلك الأجمة . فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة ، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها « 1 » ، خرج من كناسه فحمله العقاب . الظبية تلتقط حي من التابوت وتبدأ عنايتها به فلما سمعت الصوت ظنته ولدها . فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت . ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله ، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه . فحنّت الظبية وحنت عليه ورئمت به والقمته حلمتها ، واروته لبنا سائغا . وما زالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى . رجوع إلى الرأي القائل بالتولد الذاتي ، وعرض حججه . لما يتهيأ الجسم تعلق به الروح الذي هو فيض من اللّه . هذا ما كان من ابتداء امره عند من ينكر التولد . ونحن نصف هنا كيف انتقل في أحواله ، حتى بلغ المبلغ العظيم . واما الذين زعموا انه تولد من الأرض ، فإنهم قالوا إن بطنا من ارض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينة على مرّ السنين والأعوام حتى امتزج فيها الحار بالبارد ، والرطب باليابس ، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى ، وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جدا ، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكوّن الامشاج « 2 » وكان الوسط منها اعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الانسان - فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه نفخات الغليان لشدة لزوجتها . وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا منقسمة بقسمين بينهما حجاب رقيق ، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به . فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو « من امر اللّه » تعالى وتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل ، إذ قد تبين ان هذا الروح دائم الفيضان من عند اللّه - عزّ وجلّ - وانه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم .
--> ( 1 ) الطلا : ولد الظبي ، والكناس : بيتهما . ( 2 ) نطفة أمشاج : مختلطة .