بهمنيار بن المرزبان
792
التحصيل
بل نقول : إنّ النّفس لا يمتنع عليها وجود جميع المعقولات فيها معا حتّى « 1 » الأضداد بعد اكتسابها ، ولكنّها ممنوّة بهذه القوّة فتمنعها أن تدرك جميع المعقولات معا فتستعين بها استكفافا لشرّها ، لا لأن تعدّها لقبول شيء دون شيء ، وليس الأمر في العقل كالأمر في الهيولى ، فإنّ كثيرا من الصّور يمتنع وجودها معا في المادّة ثمّ أمر ما من الأمور المعدّة يعدّها لقبول شيء دون شيء . وأمّا هاهنا فهذه القوّة تمنعها من أن تعقل جميع المعقولات معا ، فهذه معدّة بالعرض . وأمّا حصول صورة الصّناعة بعد إدامة الفعل ، أو « 2 » النّتيجة بعد القياس فإنّما يحصلان لها من عند واهب الصّور لا محالة ، إذ الأجسام والصّور الجسمانيّة لا يفيدان وجودا كما ذكرنا . وبالجملة : فإنّ المحسوسة والمتخيّلة والمتوهّمة والمعقولة أمور مجرّدة عن موادّها ضروبا من التّجريد ، ولا يصحّ أن يكون البياض أو الحرارة مثلا يفيدان البياض والحرارة الموجودتين في آلة الحسّ أو في العقل التجريد الّذي يخصّ كلّا منهما ، وإلّا كان البياض أو الحرارة - وهما بالقوّة [ مجرّدان عن المادّة ] - يجرّدان أنفسهما بالفعل عن المادّة « 3 » ، فإنّ الموجود منهما « 4 » في الأعيان بالقوّة مدرك فيجب أن يكون للبياض مثلا - من حيث هو محسوس ، وله نحو من التّجريد أو من حيث هو متخيّل وله نحو من التّجريد ، أو من حيث هو معقول وله نحو من التّجريد - سبب غير البياضيّة ، فيكون مفيد الصّورة البياضيّة في البصر أو في الخيال أو في العقل أمرا غيرها . وعلى أنّك قد عرفت وجوب تناهى العلل .
--> ( 1 ) - ج : عن الاضداد . . . ( 2 ) - ج : والنتيجة . . . ( 3 ) - ف : مجردان عن المادة [ يجردان أنفسهما بالفعل عن المادة ] . . . ج : مجردان عن المادة يجردان بالفعل . . . ( 4 ) - ج : منها . . .