بهمنيار بن المرزبان

285

التحصيل

نوع الأنواع ؛ وللوجود المطلق أعراض كالوحدة والكثرة والتقدّم والتأخّر والعليّة والمعلوليّة والكلّى والجزئىّ ، وتحتها الجنس والنوع والفصل والخاصّة والعرض وغير ذلك ممّا يأتي شرحه ، ونحن نريد ان نتكلّم في خواصّ هذه المعاني وندلّ على نحو وجوداتها في هذا الكتاب « 1 » .

--> ( 1 ) - وفي النسخة الأصلية : « في نسخة أخرى وجد هذا الفصل الأول من الإلهي بعبارة أخرى ألحقناها جمعا بين النسختين ، وهي هذه : قد دللنا على موضوع هذا العلم في البرهان وهو الامر العام لجميع الأمور وهو الموجود بما هو موجود ، فان الجسم قد يبحث عن أحواله من حيث هو متحرك وساكن - في الطبيعيات - والمقدار يبحث عن أحواله من حيث هو مقدار - في الرياضيات - وليس يبحث عن نحو وجودهما في تلك العلوم ، وانما يبحث عن نحو وجودهما ونحو وجود جميع الأمور التي يشاكلها ( كذا ) في هذا العلم فيكون موضوعات سائر العلوم كالاعراض الذاتية لموضوع هذا العلم ، وقد عرفت أنه يجب ان يوضع في أوائل كل علم بحده مصدقا به ؛ واما موضوع هذا العلم فليس يحتاج إلى تحديد إذ ليس له جنس ولا فصل ، وفي الجملة فليس شيء أعرف منه حتى يعرف به ، وليس له رسم إذا جزاء الحد والرسم يجب أن يكون أعرف من المحدود [ الحدود ] والمرسوم ، وليس شيء أعرف من الموجود ولا أعم منه فهو حد في حده ، فان الوجود وما يجرى مجراه - كالشئ والضروري - معانيها ترسم في النفس ارتساما أوليا ، وكما أنه في باب التصديق مباد أولية انما ينبه النفس عليها باحضار معانيها بالبال - كما عرفته في البرهان - كذلك في باب التصور ، ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور لذهب الامر في ذلك إلى غير النهاية أو لدار . وأولى الأشياء بان يكون متصورة لذاته ، الأشياء العامة للأمور كلها كالموجود والشيء والواحد ، وكل من حاول ذلك ببيان فقد أخطأ ، فان القائل إذا قال : « حقيقة الموجود ان يكون فاعلا أو منفعلا » أخطأ ، من جهة أن هذين من أقسام الموجود ، والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل . وكذلك قول من قال : « ان الشيء هو الذي يصح عنه الخبر » وانما يعرف الصحة والخبر بان يستعمل في بيان كل منهما أنه شيء ، أو أمر ، أو ما ، أو الذي . هي كما تراه مرادفات لاسم الشيء ، فاذن مثل هذه البيانات تنبيهات مع فساد المأخذ . وأما اثبات نحو وجوده فمستغنى عنه لأنا إذا قلنا : « كذا موجود » فليس المعنى به أن الوجود معنى خارج عنه ، فان كون الوجود معنى خارجا عن الماهيات عرفناه ببيان وبرهان ؛ - وذلك حيث يكون ماهية ووجود كالانسان الموجود ، لكنا نعنى به أن كذا في الأعيان أو في الذهن . وهذا على قسمين : فمنه ما يكون في الأعيان أو في النفس بوجود يقارنه ، ومنه ما لا يكون كذلك . فالوجود الذي هو الكون في الأعيان وأنه في الأعيان ليس يحتاج في ان يكون في الأعيان إلى كون آخر في الأعيان يقترن به ، فان ما به بصير الشيء في الأعيان هو أولى بان يكون بذاته في الأعيان . وفرق بين قولنا : « لذاته في الأعيان » وبين قولنا : « بذاته في الأعيان » فان ما يكون لذاته في الأعيان يصح ان يكون له سبب ، وما يكون بذاته في الأعيان لا يكون له سبب . وبالجملة فالوجود حقيقته أنه في الأعيان لا غير ، وكيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته ؛ والفاعل إذا أفاد الوجود فإنه يوجب الوجود ، وايجاب الوجود هو إفادة حقيقته لا إفادة وجوده ، فان للوجود حقيقة وماهية ، وكل ماهية مركبة فلها سبب في ان يتحقق تلك الحقيقة لا في حمل تلك الحقيقة عليها ، مثلا الانسان له سبب في تحققه وتقومه انسانا وأما في حمل الانسانية عليه فلا سبب له ، ويشبه ان يكون الموجود الذي له علة يجب ان يكون مركبا حتى يصح ان يكون معلولا ، وأيضا لان الوجود المعلول في ذاته ممكن فيحتاج إلى ما يخرج إلى الفعل ، ونعنى بالمعلول أن حقيقته بذاته ومع اعتبار ذاته ليس بالفعل ، فكما أنك إذا تصورت معنى المثلث تصورت معه الخطوط الثّلاثة لا محالة ، فكذلك إذا تصورت الوجود المعلول تصورت معه العلة لا محالة . ومتى بان هاهنا وجودا بسيطا ظهر من امره أنه غير معلول ، إذ الحقائق البسيطة لا علة لها ، لست أقول : أنه لا علة لوجودها بل أعنى بهذا أنه لا علة لها في تحققها ذاتا ، كالبياض الذي لا علة له في كونه بياضا ، إذ ليس البياض كالمثلث الذي بماهيته علة وهي الخطوط ، فالوجود إذا تحققت ماهية كان لذاته موجودا . فبين من جميع ذلك أن الموجود لا يحتاج إلى تحديده ولا إلى اثباته ، إذ حقيقته أنه في الأعيان وما هذه صفته فلا يحتاج إلى اثبات نحو وجوده ، فان الفاعل يفيد حقيقة الوجود لا وجوده ؛ بل نقول : ان الوجود اما ان يكون كالشئ بالقياس إلى الماهيات فكما أن الشيء من لوازم الماهيات فالوجود من لوازم صفات لا اسم لها بما يوصف الشيء بأنه في الأعيان . واما كاللون بالقياس إلى البياض والحمرة والسواد ، وليس في الوجود لون ؛ ويصح ان يكون الوجود جنسا في الصفات في الموجودات المعلولة ، وأما في الموجود الذي لا سبب له فلا شك أنه لازم لا غير على ما ستعلمه . فنحن إذا قلنا « كذا موجود » فلسنا نعنى به الوجود العام بل يجب ان يتخصص كل موجود بوجود خاص . والوجود اما ان يتخصص بفصول ويكون الوجود على هذا الوجه جنسا أو يكون الوجود العام من لوازم معان خاصة بها يصير الشيء موجودا . ثم لا يمتنع ان يكون الوجودات المعلولة جنسا لما تحتها ؛ وأما في واجب الوجود بذاته فلا يصح ان يكون جنسا ، وكل موجود ذي ماهية فله ماهية فيها صفة بها صارت موجودة ؛ وتلك الصفات حقيقتها أنها وجب في تلك الماهية بها وبسائر أسبابها ؛ وواجب الوجود بذاته معنى يلزمه الوجود وحقيقة ذلك المعنى هو أنه يجب وجوده بذاته لا في ماهية ولا بسبب . ونحن إذا قلنا : « وجود كذا » فإنما نعنى به موجوديته فإنه ان عنى به غير هذا احتيج إلى وجود آخر فكان يتسلسل ، وإذا قلنا : « الوجود الذي لا سبب له » فمعناه الموجود الذي لا سبب له ، ولو كان الوجود ما به يصير الشيء في الأعيان لكان يحتاج إلى وجود آخر ، فاذن الوجود هو نفس صيرورة الشيء في الأعيان لا ما به يصير الشيء في الأعيان ( من قوله ونحن إذا قلنا إلى قوله يصير الشيء في الأعيان موجودة في نسخة « ف » . أقول : لا يبعد كونها من حواشي بعض المتأخرين على الكتاب واشتبه الامر على بعض النساخ فأوردها في المتن . ) .