بهمنيار بن المرزبان

266

التحصيل

حينئذ في العقل المعاني الأول - أعنى الأوّليّات للتصوّر - ثمّ يركّب منها الحدود . وأمّا من جهة التّصديق : فقد يعين الحسّ والخيال بالتجربة وبالحدس ، وقد يعين بالاستقراء . والفرق بين الاستقراء والتجربة معلوم . والاستقراء إمّا على سبيل الاحتجاج ، وإمّا على سبيل التنبّه ، كمن يستقرء جزئيّات من أمور أحكامها بيّنة الصّدق ، إلّا انّ بالنفس عنها غفلة . وقد يعين على سبيل العرض « 1 » ، بأن يعين اوّلا في إعطاء التصوّرات ، ثم التصوّرات يأتلف بايجابات وسلوب ، فيلوح للعقل ما يجب أن يصدّق به - بذاته - ويلوح له القياس فيما يجب أن يكتسب به التّصديق . وأمّا سائر العلوم - أعنى ما بعد الأوّليّات - فيستفاد إما بتجربة ، وإمّا بوسط - إذا كان نفس تأليف البسائط لا يقتضى التصديق - فيكون العلوم المكتسبة يسبقها شيئان : أحدهما عدم التصوّر ، والثاني عدم الوسط . والاوّلىّ لا يسبقه قبل أن يعلم إلّا عدم التصوّر فقط . ثم اعلم أنّ الّذي « 2 » يحسّ بالجزئي ، فقد يحسّ بوجه ما الكلّى ، فإنّ الّذي أحسّ سقراط ، فقد أحسّ إنسانا ، ويؤدّى الحسّ إلى النّفس سقراطا أو « 3 » انسانا ، إلّا أنّه إنسان منتشر مخالط بعوارض الانسان . ثم العقل يقشّره ويميط عنه العوارض - أعنى الأعراض الغريبة - فيبقى له الانسان المجرّد الّذي لا يتفاوت به سقراط وأفلاطون . ولو أنّ الحسّ لم يكن أدرك بوجه ما الانسان لكان الوهم فينا وفي الحيوان لا يميّز بين أشخاص نوعين ، ما لم يكن عقل . ولا الحسّ يميّز أيضا ذلك ، بل

--> ( 1 ) - ج : الفرض . ( 2 ) - انظر الفصل العاشر من المقالة الرابعة من برهان الشفاء . ( 3 ) - ض ، م ، سقراطا انسانا . ج : وانسانا .