المحقق الدواني

46

ثلاث رسائل ( وبذيله رسالة هياكل النور )

متقدموا الأصوليين « رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر . » وقد توهّم بعض من لا يعتد به أنّ معناه ، إبطال الحكم الشرعي ونقضه ، وأنّ من لا يفسّر النسخ بذلك فهو منكر للنسخ . والتحقيق أنّ النسخ بيان انتهاء الحكم ، بل رفع احتمال بقاء الحكم ، فإنّ السّيد إذا قال لعبده « قم » ثمّ بعد ساعة قال له « اقعد » فليس فيه إلّا تخصيص وجوب القيام عليه ببعض الأوقات ، أعنى وقت السابق على الأمر الثاني ، وليس في الأمر الثاني منافاة مع الأمر الأوّل ، إذ الأمر الأوّل لم يكن مقيدا بالوقت السابق على الأمر الثاني ، وليس في الأمر الثاني نقض الأمر الأوّل ونفى له ، إذ الأمر الأوّل لم يكن مقيّدا بالدّوام حتى ينافيه « 8 » الأمر الثاني ، بل الوجوب المستفاد منه في قوة القضية المطلقة ، ولا ينافي بين المطلقتين . فمن قال : إنّه رفع الحكم الشرعي ، إن أراد هذا المعنى أو ما يؤول إليه ، فمقصوده صحيح لكنّ الأولى التعبير عنه بما ذكرناه ، لئلّا يتوهّم المعاني الفاسدة ، والعبارة الأولى توهم النقض في أحكامه تعالى ، وهو يستلزم النقص . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . وهذا التوهّم هو الّذي أوقع اليهود في نفى النسخ مطلقا ، زاعمين أنّه يوجب نسبة النّدامة وما يلزمها من النقص إليه تعالى [ 1 ] . وأعجب من ذلك ما يتوهّمه بعض العوام من الدهماء [ 2 ] ، أنّ تحقيق النسخ على هذا الوجه الّذي ذكرناه آنفا ، إنكار للنسخ ، مع أنّه من البيّن الّذي لا يكاد يخفى على من له أدنى بصيرة ، أنّه تحقيق حقيقة النسخ ، وأنّ غير ذلك ممّا قيل أو يقال في هذا المقام بمرمى سحيق [ 3 ] من التحقيق ، ولا يرضى به إلّا بليد أو زنديق ، وهذا هو الطّريق الّذي سلك به الشّيطان ، من أنكر النسخ من اليهود وغيرهم ، وسوّل [ 4 ] لبعض المثبتين له أنّ التخصيص راجع عليه [ و

--> ( 8 ) يناقضه . م . يطلقون على المخصّص والمقيّد لفظ الناسخ كما أطلق كثيرا لفظ النسخ على التخصيص في تفسير المنسوب إلى ابن عباس . ( 1 ) إنّ اليهود والنصارى كانوا يدّعون استحالة النسخ لأنّه يستلزم عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة . ( 2 ) الدهماء - بفتح الأوّل وسكون الثّاني ، مؤنّث الأدهم جماعة النّاس . ( 3 ) السحيق - البعيد . ( 4 ) سوّل له - أغواه وزيّن له .