أبو نصر الفارابي
مقدمة 59
فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )
فلا يشارك ندّا ؛ ولا يقابل ضدّا ولا يتجزّئ مقدارا ولا واحدا ؛ ولا يختلف ماهيّة ولا هويّة ؛ ولا يتغاير ظاهرية وباطنية . فانظر هل ما تقبله مشاعرك وتمثّله ضمائرك كذلك ؟ ! لا تجده ؛ فليس ذلك إلّا مباينا له ؛ فهذا منه ؛ فدع هذا إليه ؛ فقد عرفته . [ 20 . ] فصّ كلّ إدراك فإمّا أن يكون لملائم أو لغير ملائم ، بل منافر أو لما ليس بملائم ولا منافر . اللذّة إدراك الملائم والأذى إدراك المنافر . إنّ لكلّ إدراك كمالا ولذّته إدراكه ؛ للشهوة ما يستطيبه وللغضب الغلبة وللوهم الرجاء ولكلّ حسّ ما يعدّ له ؛ ولما هو أعلى كمال هو الحقّ وخصوصا الحقّ بالذات ؛ كلّ كمال من هذه الكمالات معشوق لقوّة درّاكة . [ 21 . ] فصّ إنّ النفس المطمئنّة كمالها عرفان الحقّ الأوّل بإدراكها ؛ فعرفانها الحقّ الأوّل بمرتبة قدسية على ما يتجلّى لها هو اللذّة القصوى . [ 22 . ] فصّ كلّ مدرك متشبّه من جهة ما يدركه تشبّه التقبّل والاتّصال .