عبد الرحمن بدوي

19

أرسطو عند العرب

والقياس يوجب ذلك والحس شهد عليه . وكل متحرك فحركته من محرّك . فالعلة الأولى يجب ضرورة أن تكون واحدة غير متحركة . وأما الجواهر المحركة للأجسام التي بعدها فيجب ضرورة أن تكون كثيرة بحسب الأجسام المتحركة ، وأن تكون في ذاتها غير متحركة ، لكن تتحرك بالعرض كما أوجبه القول في أمر النفس ، وأن تكون أزليّة . إلا أن الوقوف على كثرة القوى يقصد إلى تعرّفه من علم النجوم . ويجب أن يكون عدد القوى المحركة بحسب عدد الأجسام المتحركة . والذي تدل عليه النجوم من عدد الأفلاك المتحركة خمسة وخمسون ، أو سبعة وأربعون . فلتكن الحركات هذا العدد . إلا أن الحكم الضروري في ذلك فللذي « 1 » يتنجم : ( فهو ) أقوى على ذلك . فيجب أن يكون عدد الحركات كعدد الأفلاك المتحركة ، وأن يكون عدد العلل المحركة كعدد الحركات . ثم يقول إنه إن كان العالم أكثر من واحد ، فيجب أن تكون العلل الأولى أكثر من واحد . والأشياء التي صورتها واحدة وعددها كثرة « 2 » ، يكون السبب في كثرتها المادة والعنصر . والمحرك الأول لا تشوبه الهيولى ولا هو ذو جسم ، فيجب أن يكون المحرك الأول واحدا في الحد والعدد . والجسم المتحرك أيضا ، إن كان متصل الحركة ، يجب أن يكون واحدا . فالعالم واحد . ( الفصل التاسع ) ولأنّا قلنا إن العلة الأولى عقل فيجب أن ينظر : هل تفعل وتعقل ؟ أم هي غير فاعلة ولا تعقل ، كالعالم النائم الذي لا يستعمل علمه ؟ إلا أن ذلك محال : فإنه إن كان [ 209 ب ] عقلا لا يعقل ولا يفعل سائر الأفعال ، فما الذي للمبدإ الأول من الشرف والحمد في أن يكون كالغرق في النوم يحرّك الجميع وتحنّ الأشياء إليه على سبيل ما نراه في الأجسام من حركة المعشوقين في وقت النوم لعشاقهم ، والقول بذلك يميت مبدأ الحياة وينبوعها . فهي إذن تعقل لا محالة . فيجب أن يبحث عن فعلها ما هو ، وذلك أنه لا يخلو : إما أن يعقل ذاته وإما أن يعقل غيره . وعقله لغيره إما أن يكون دائما لشئ واحد بعينه أو أشياء كثيرة .

--> ( 1 ) أي أن العالم بالفلك هو الأقوى على الحكم اليقيني في مسألة عدد الأفلاك . ( 2 ) ن : كثيرة ؛ والمعنى يمكن أن يستقيم عليه أيضا .