عبد الرحمن بدوي

14

أرسطو عند العرب

ليس شئ من المواد [ 207 ب ] تتحرك بذاتها إلى الصورة . لكن كما أن الخشب لا يتحرك من ذاته « 1 » إلى صورة السرير ، كذلك دم الطّمث ، والأرض لا تنبت شيئا من النبات من ذاتها . وما كانت حركته دائمة ، فينبغي أن نجعل السبب فيها العلة التي حالها بالقياس إلى الأجسام المتحركة حال « 2 » واحدة . فأمّا ما حركته مختلفة في أوقات مختلفة ، فحال العلة المحركة له في الاختلاف كحال المتحرك بعينها . والأجسام الكائنة الفاسدة لا تثبت وقتا واحدا بحال واحدة . فإذا تحتاج إلى علة تختلف بحسب اختلافها . ولأن الكون والفساد دائم لا انقطاع له ، فقد تحتاج العلة الفاعلة أن تكون مع اختلافها دائمة البقاء . فيجب أن يكون الاختلاف في هذه العلة من قبلها ، والدوام من سبب آخر . فهو إذا : إما من العلة الأولى ، وإما من علة أخرى غيرها . ويجب ضرورة أن يكون من العلة الأولى ، فإن هذه العلة هي السبب في بقائها دائما وبقاء العلة الثانية . فصار العلتان جميعا علّتى « 3 » الدوام والاختلاف . وهذا شئ شهد الحس عليه أيضا : إذ يرى أن الفلك الأول يتحرك دائما حركة واحدة بعينها ، وأفلاك المتحيّرة « 4 » تتحرك دائما حركة مختلفة . فإذا كان كذلك ، فما حاجتنا إلى طلب مبادئ أخر وترك هذه المبادي ! ( الفصل السابع ) فإن كانت الحركة لا سكون لها ، فالمتحرك بها أزلي ، وهو الفلك . فالمحرك له لا سكون له ، ولا انقطاع لتحريكه . فقد تبين أن هذا المبدأ . وأما أنه غير متحرك ، فلأن ما كان مركبا من شيئين يمكن في أحدهما أن يوجد قائما بذاته مفردا ، فقد يمكن أيضا في الآخر أن يوجد قائما بذاته مفردا . فإن كان يوجد شئ يتحرك ويحرّك معا ويوجد شئ يتحرك فقط من غير أن يحرّك ، فيجب ضرورة أن يوجد محرّك غير متحرك . وهو في الطبيعة التي لا يشوبها الهيولى ، وهي التي جوهرها الفعل . ولا يجب أن نتعجب من محرّك لا يتحرك . فإن كل

--> ( 1 ) كانت « بذاته » ثم شطبها نفس الناسخ وكتب فوقها : « من ذاته » . ( 2 ) ن : حالا . ( 3 ) ن : علتان . ( 4 ) أي الكواكب غير الثابتة .