عبد الرحمن بدوي
مقدمة 7
أرسطو عند العرب
وفي تقديرنا لهذه العوامل يجب أن نتجافى عن كل تقويم يتصل بما يسمونه الخطأ في الإسناد التاريخي . فليس هنا خطأ ولا صواب ، إنما هي الضرورة التاريخية تعمل عملها ؛ وبالنسبة إلى الضرورة ينتفى معنى الخطأ والصواب . وعلى ضوء هذه الواقعة نفهم لما ذا نسب إلى أرسطو - في الحضارة العربية مثلا - ما نسب إليه من كتب ، كان من الواجب - وفقا للضرورة الحضارية التاريخية - أن تنسب إليه ، شاء الفيلولوجيون والمؤرخون المزعومون أو لم يشاءوا . فلم يكن صدفة ، أو حاجة في نفس من فعل ، أن تنسب هذه المقتطفات من « تساعات » أفلوطين إلى أرسطو : إنما هي الروح الحضارية العربية العامة هي التي كانت وراء هذه النسبة . ولا عبرة بعد باكتشاف المؤلف الحقيقي لهذه المقتطفات التي عرفت باسم « أثولوجيا أرسطاطاليس » . فحتى لو كان العرب قد عرفوا هذا أوشكوا في نسبة هذا الكتاب إلى أرسطو - وإن ثمت شواهد عليه أو دلائل قد تؤوّل على أنها شواهد « 1 » - فلن يكون هذا بحائل لهم دون استمرارهم في نسبته إلى أرسطو . لأن الشعوب والأفراد لا يهمها أن تعرف أرسطو كما كان في واقع التاريخ بقدر ما يعنيها أن تدركه كما تريد لها حاسّتها التاريخية المنبثقة من روح الحضارة التي تنتسب هي إليها ؛ وعلى أرسطو - في الحالة التي لا يتفق فيها تاريخيا وأماني هذه الروح - أن يحنى رأسه ويكيّف نفسه وفقا لهذه الأماني . وهذه الصورة العربية لأرسطو لن يستطيع الباحث تقديمها للناس إلا بعد أن يفرغ من نشر النصوص التي تعدّ وثائق لها . وهو عمل لما يكد ينجز منه شئ . وها نحن أولاء نقدم في هذا « الجزء الأول » طائفة من هذه النصوص التي سندرسها بالتفصيل في « الجزء الثاني » ، وهي كلها من وضع شراح أرسطو من بين اليونان والعرب ( ابن سينا ) . أما أهمية هذه الشروح والدراسات التي وضعها الشراح اليونانيون فخطيرة ، لأن أصولها اليونانية مفقودة ولم يبق إلا هذه الترجمات العربية لها ، أو ما سيقام عليها من ترجمات إلى لغات أخرى مثل العبرية واللاتينية . وهذا من شأنه أن يزيد في أهمية البحث في التراث
--> ( 1 ) راجع بعد ، ص 121 تعليق 3 .