عبد الرحمن بدوي
322
أرسطو عند العرب
منه ، بل إنما يعدله لمّا لم يستعمله وحده ويأتي بحجج ما من تلقاء نفسه فيحتج بها في كل واحد من الشكلين . فيستعمل أولا في الشكل الثاني أن التناقض لا يصدق معا ، وأنه إن نتج فيه نتيجة موجبة وجب ضرورة أن يوجد التناقض قولنا : الحركة على غير الاستدارة على هذه الجهة ، الحركة على الاستدارة موجودة للكواكب ، والحركة على غير استدارة للنار ؛ فيجب ضرورة ألا تكون النار والكواكب شيئا واحدا ، وإلا لزم ذلك أن تكون الأشياء المتناقضة موجودة في شئ واحد بعينه . وليس بي حاجة أن أقول إن القياسين اللذين في هذا الشكل ليسا مركبين من تناقض ، بل من مقدمتين متضادتين . وذلك أن الأخلق بتأمل أن يقول : إنه وإن كانت المتضادات من المقدمات قد يمكن أن تكذب معا في الأوقات ، إلا أنه لا يمكن أن تصدق معا بحيلة . إلا أنى متعجب من هذا الرجل كيف يظن بقوله هذا أنه يأتي بشيء هو أكثر من الصّرف إلى الامتناع . ولكن الأخلق به أن يكون يخدع نفسه لأنه يأتي بشيء من هذا الطريق ظاهرا مكشوفا ويستر شيئا منه . وذلك أن الصرف إلى الامتناع ليس هو شيئا إلا أن يضع واضع نقيض النتيجة يضم إليه إحدى المقدمتين ويبطل بذلك المقدمة الأخرى . فأما بوسوس فإنه يستعمل النقيض استعمالا ظاهرا أو يختلس معه قياس الامتناع اختلاسا ، وذلك أنه قال : إن كان الكواكب والنار شيئا واحدا ، وكانت الحركة على استدارة موجودة للنار ، فقد توجد [ 122 ب ] لكلها ولا لشئ منها . فقوله : « ولا لشئ منها » قد كان له موضع « 1 » في المقدمتين . وأما قوله « لكلها » فإنما صار محالا لأنه يبطل الموضوع . فأما اختلاسه لقياس الامتناع فبقوله : إن الحركة على استدارة موجودة لكل النار ، لأنها كانت موجودة لكل كوكب ، وقد وضع أن النار والكوكب شئ واحد « 2 » . ومن تصفح قياس الامتناع يتبين له منه القياس الأول الذي لا يحتاج إلى برهان وهو قولنا : الحركة على استدارة توجد لكل كوكب ، والكواكب لكل النار ، فالحركة على استدارة موجودة لكل النار . أفترى بوسوس يعلم أن جميع ضروب القياسات تتم بالصرف إلى الامتناع ، وأرسطوطاليس لا يعلم ذلك ؟ لعمري لكنا قد نجد أرسطوطاليس يصرح القول بأنه قد يمكن أن يبين هذه بصرفنا إياها إلى الامتناع
--> ( 1 ) ص : موضعا . ( 2 ) ص : شيئا أحد .