عبد الرحمن بدوي
310
أرسطو عند العرب
ينبغي أن نجعل الشكل الأول سببا ومولّدا للذين يتلوانه ، ولا نجعل ذينك سببين له . أما أولا فلأن الأتم مولّد للناقص ، ليس الناقص للتام . والأمر في أن الشكل الأول أتمها وأكملها قد بيّنه هو أيضا بيانا كافيا . وأيضا فإن الشكل الأول أول بالطبع ، لأن وضع الأوسط إنما هو في هذا الشكل فقط بالطبع ، إذ هو على الاستقصاء متوسط بين الطرفين يحوى الأصغر منهما ويحويه الأكبر . فأما في الشكلين الآخرين فإن الحد الأوسط ليس بأوسط على الحقيقة ، لكنه أولى بأن يكون يشبه الطرف : إذ هو إما محمول ، وإما موضوع فقط . وكما أن الفاتر متوسط بين الحار والبارد والأدكن فيما بين الأبيض والأسود بمنزلة خلط الطرفين وتركيبهما - كذلك الحد الذي يحمل أو يوضع متوسطا « 1 » فيما بين الموضوع والمحمول . فأما المحمول فقط فليس بمتوسط للموضوع ، ولا الموضوع متوسطا « 2 » للمحمول . والمتوسط في الشكلين الآخرين إنما يعرض له أحد هذين فقط . وفي الشكل الأول قد يعرضان جميعا . فالحد المتوسط في هذا الشكل ليس إنما هو بالاسم فقط متوسط ، بل بالمعنى أيضا . فأما في تلك فبالاسم فقط ، ولذلك يقول أرسطوطاليس : إن هذا الحد في الشكل الأول متوسط في الوضع أيضا . وتبين من أمره أنه لا يسلّم أن هذا الحد في الشكل الثاني متوسط عند قوله بوضع المتوسط خارجا عن الطرفين أولا في الوضع . ونقول أيضا في الحد المتوسط الذي في الشكل الثالث بوضع المتوسط خارجا عن الطرفين آخرا في الوضع ، وذلك أن الخارج عن الطرفين والأول والآخر ليس هي من طبيعة المتوسط ، لأن المتوسط هو الذي يكون أبدا فيما بين الطرفين وداخلهما . فالشيء الذي نريده باللجاج منه هو لنا ومن غيرنا ، لأن وضع المتوسط في هذين الشكلين على أبسط مما هو عليه في الشكل الأول . ليس بدليل على أنه أولى بأن يكون فيهما منه متوسطا في الشكل الأول ، بل إنما هو دليل على أنه ليس بمتوسط حقيقي أن الأمر فيه بالضد كما قلت ، إذ كان الأوسط ليس هو أولى بأن يكون متوسطا ، لكن المشارك للطرفين كليهما كالحال في المذاقات والألوان والجمال والقبح والصّلب واللين وأشياء أخر كثيرة . وبالجملة ، فإن هذا الوضع من وضع المتوسط ليس بمؤلف « 3 » بذاته ، ولا يوجب ضرورة اتصال الطرفين أو انفصالهما . وإلا ، فلم لا ينتج إلا في تلك الازدواجات
--> ( 1 ) ص : متوسط . ( 2 ) ص : متوسط . ( 3 ) فوقها : بمنتج .