عبد الرحمن بدوي

292

أرسطو عند العرب

لا بالجرم ، لأن الفعل ( و ) الذي منه كان الفعل لا يحتاجان إلى الجرم البتة . وتقول إن الجوهر الجرمي لا يفعل فعله إلا بملامسة الشئ الذي يفعل به : فإما أن يدفعه ، وإما أن يندفع منه ؛ فلذلك لا يمكن أن يكون هذا الجوهر وفعله بلا أجرام . وقد نجد جوهرا « 1 » آخر يفعل فعله بلا ملامسة الشئ الذي يفعل فيه ، وبلا أن يدفعه أو أن يندفع منه . فلذلك صار يفعل فعله في الشئ البعيد . وإن كان هذا على ذا وكان فعل الشئ ثابتا من الجرم ، فلا محالة أن الجوهر الفاعل لذلك الفعل يأتي من الجرم أيضا ، وأنه يرجع إلى ذاته كرجوع الكل إلى الكل . فقد استبان الآن وصح أن هاهنا أشياء روحانية هي صورة فقط لا هيولى لها البتة . في إثبات ذلك أيضا - قال : كل ما كان محركا لذاته ، إنه أولا هو راجع إلى ذاته لا محالة ؛ وذلك أنه إن كان يحرك ذاته وكان فعله محركا « 2 » لذاته ، كان لا محالة المحرك والمتحرك واحدا . ونقول أيضا إن المحرك لذاته إما أن يكون بعضه محركا وبعضه متحركا ؛ وإما أن يكون كله محركا وبعضه متحركا . فإن كان بعضه محركا وبعضه متحركا لم يكن محركا لذاته لأنه كون من أشياء ليست متحركة ذاتها ويرى أنه محرك « 3 » لذاته وليس هو في جوهره كذلك . فإن كان كله محركا لذاته وليس هو في جوهره كذلك - فإن كان كله محركا وبعضه متحركا ، أو كان بعضه محركا وكله متحركا ، كان فيه شئ محرك ومتحرك معا وليس على هذا يكون المحرك لذاته . فإن ألفي شئ واحد يحرّك ويتحرك ، كان لا محالة فعل حركته لذاته وإلى ذاته إذ كان محركا لذاته ؛ وحيث يكون فعله يكون رجوعه إلى هناك . فإن كان هذا على هذا ، رجعنا فقلنا إن كل ما حرك ذاته فهو راجع إلى ذاته أيضا كرجوع الكل إلى الكل . فقد استبان الآن وصح أن هاهنا أشياء هي صور فقط ليس فيها شئ من الهيولى البتة تمت المقالة والحمد للّه حق حمده .

--> ( 1 ) ص : جوهر ( 2 ) ص : محرك ( 3 ) ص : محركا