عبد الرحمن بدوي

254

أرسطو عند العرب

إلى شئ ، وذلك هو أن يكون المتحرك حافظا لكماله الخاص ، إذ ليس شئ من الأشياء التي تتحرك بالطبع تحدث باطلا ، وكان أيضا هذا الجسم المتحرك على الاستدارة الذي قد تبين من أمره بالأقاويل التي وضعت فيه أنه إلهي وأنه غير كائن ولا فاسد هو أيضا جسم طبيعي ، وأن الحركة التي يتحركها إنما يتحركها بطبعه - فلينزل أن هذا الجسم أيضا إنما يتحرك على هذه الجهة بالاشتياق إلى شئ . فأما الأجسام غير المتنفسة فإن اشتياقها إنما هو من أجل الشئ الذي من أجله تكون لها الحركة بالطبع . وهذا الاشتياق الصادر عن التهيؤ الطبيعي هو الميل إلى الشئ الذي كأنه ملائم لها وسبب لفعلها الطبيعي الذي يحصلها ، وذاك أنه على هذه الجهة يكون مصير كل واحد من الأجسام إلى الموضع الطبيعي الذي يخصه ؛ وإذا استقر فيه بلغ كماله الذي يخصه . وأما الأجسام الطبيعية التي هي أكمل من هذه ، أعنى التي لها نفس ، فإنها إنما تتحرك في المكان بالنفس التي لها . والحركة التي لهذه الأجسام على جهة الاشتياق إنما تكون مع شهوة ما ، ومن هذه الشهوة ما يسمى شوقا ، ومنها ما يسمى غصبا ، ومنها ما يسمى إرادة « 1 » . وذلك أنه بواحد من هذه الأشياء بعينها يكون ابتداء الحركة للأشياء المتنفسة التي تتحرك في المكان . والجسم الإلهى بأسره متنفس ، إذ كان الجسم الإلهى أفضل الأجسام ، وما كان أفضل الأجسام فليس جسم أفضل منه ؛ وقد يوجد جسم ما أفضل من جميع الأجسام غير المتنفسة ، وذلك هو الجسم المتنفس لئلا يكون الأفضل هو الجسم غير المتنفس . فيجب إذن أن يكون المتنفس هو الأفضل إن كان كل جسم إما أن يكون متنفسا وإما غير متنفس . والدليل على أن الجسم الكرىّ أفضل الأجسام كلها أنه فاسد ، وأنه يتحرك الحركة المتقدمة لجميع الحركات « 2 » ، ويتحركها أيضا دائما وعلى « 3 » نظام متشابه . فسبب حركة هذا الجسم إذن هو شهوة ما ، لكن الشوق والغضب مباينان لطبيعة هذا الجسم ، وذلك أن الجسم الإلهى غير منفعل ، والشوق والغضب انفعالات « 4 » . ولذلك صارت أنفس الأجسام الإلهية غير مساوية في النوع لواحدة من الأنفس الكائنة في الأشياء المائتة إذ كان يلزم في هذه من الاضطرار أن يكون ما يوجد له فيها القوى التي هي أكمل أن يكون له قبل ذلك القوى التي هي دونها في الكمال « 5 » ، لأنه ليس يمكن دون هذه القوى بأن

--> ( 1 ) فوقها : اختيار . ( 2 ) أي الحركة الدائرية . ( 3 ) فوقها : ترتيب . ( 4 ) ص : انفعالات . ( 5 ) فوقها : أقل كمالا .