عبد الرحمن بدوي
مقدمة 25
أرسطو عند العرب
ومن هذا النص يتبين أولا : غرض ابن سينا في هذا الكتاب وهو أن يأتي برأي المشرقيين وبرأي المغربيين في أمهات المسائل ويعارض الواحد بالآخر ، ثم يتقدم بالإنصاف بينهما . ومن أجل هذا قام يشرح النصوص - الأرسطية ، فيما يخيل إلينا - كلها إلى أن بلغ « أثولوجيا » ، ويدل على مواضع سهو المفسرين . وثانيا : أنه لم يحرر الكتاب ، إنما وضع مسوّداته ، وهذه ذهبت في « بعض الهزائم » ، وهو يقصد بها نهب السلطان مسعود ابن السلطان محمود ، حينما غزا أصفهان سنة 425 . وثالثا : أنه لم يستطع إعادته كله على الأقل . فهل أعاد البعض منه ؟ أما المسألة الأولى فمتفق عليها بين الروايات التي تحدثت عن موضوع الكتاب ، إذ قال ابن أبي أصيبعة كما ذكرنا إن ابن سينا شرح في هذا الكتاب « جميع كتب أرسطوطاليس وأنصف فيه بين المشرقيين والمغربيين » ( ح 2 ص 18 س 25 - س 27 ) ويلوح أن ابن أصيبعة استقى هذا الخبر من تلك الرسالة التي أشرنا إليها . كذلك تتفق الروايات في المسألة الثانية وهي أن الكتاب كان لم يحرر منه إلا مسوداته ، وأن هذه ذهبت في نهب السلطان مسعود . والجديد فيها قول البيهقي : « ولم يؤخذ من كتاب « الإنصاف » إلا أجزاء » ( ص 67 من الطبعة المذكورة ) ، وظاهر النص معناه أن ما نهب من هذا الكتاب هو أجزاء دون أجزاء ، بدليل إيراده بعد هذا لدعوى عزيز الدين الفقاعي أنه اشترى منه نسخة ( كاملة ؟ ) في سنة 545 في أصفهان . وتلك هي المسألة الثالثة الرئيسية ، ألا وهي : هل أعاد ابن سينا كتابته إن كان قد ضاع كله ؟ نرى في رسالة أخرى نشرناها بعد ( ص 245 ) أن ابن سينا يقول في رسالة إلى صديق تحزّن على ضياع « التنبيهات والإشارات » وسأله عن « المسائل المشرقية » : « وأما تحزّنه على « ضياع التنبيهات والإشارات » فعندي أن هذا الكتاب توجد له نسخة محفوظة . وأما « المسائل الشرقية » فقد كتبت أعيانها ، بل كثيرا منها ، في أجزائها لا يطلع عليها أحد ، وأثبتّ أشياء منها من « الحكمة العرشية » في جزازات : فهذه هي التي ضاعت . إلا أنها لم تكن كبيرة الحجم ، وإن كانت كثيرة المعنى كلية جدا . وإعادتها أمر سهل . بلى ! كتاب « الإنصاف » لا يمكن أن يكون إلا مبسوطا ؛ وفي إعادته شغل . ثم من هذا