عبد الرحمن بدوي

107

أرسطو عند العرب

بالقوة ، بل كان يكون بالقياس إليه غير مدرك بالفعل والقوة ، مدركا لأنه غير مدرك . وليس البصر في الظلمة بالقوة لأجل أنه لا يدرك فقط بالظلمة ، بل لأن الشئ المظلم من شأنه أن يصير مدركا ؛ ومن شأن البصر حينئذ أن يصير مدركا له بالفعل ؛ فلما جعلته الظلمة غير مدرك بالفعل ، صيرت البصر غير مدرك بالفعل . وبهذا « 1 » وحده لم يجعله مدركا بالقوة ، بل ذلك لأن المظلم في نفسه من شأنه في حال أخرى أن يدرك ؛ فإن كان عدم إدراك العقل لمدركه يجتمع فيه الأمران جميعا : أنه غير مدرك بالفعل إدراكا وجوديا لحائل حال . أو لشرط زال ، ولكنه في طباعه مدرك إذا زال العائق أو وجد الشرط ، فيكون العقل بالقياس إليه مدركا بالقوة ، وإن كان إنما هو معنى عدمي ، ويدرك من حيث هو عدم فقط ، فتكون حاله كحال الظلمة في أن البصر في أنه يدرك أن لا يدركها هو بالفعل . ثم إن كان ذلك المعنى العدمي سببا في أن لا يعقل معنى وجوديا صيره المعنى العدمي بالقوة معقولا ، فهي بالقياس إلى ذلك عقل بالفعل . وإن لم يكن كذلك ، فلا يلزم أن يكون عقلا بالقوة . واعلم أنه اجتمع في الظلمة أنها عدم استضاءة ما من شأنه أن يستضيء ، ولزمها عدم أن يرى شئ آخر هو اللون . فإذا أبصر البصر الظلمة صار بالقوة رائيا لما تزول عنه الظلمة وتخلفه ؛ ولو دام الظلمة لم يكن بالقوة رائيا ، وليس ذلك بسبب أنه يرى الظلمة وهي عدمية ، بل لو كان ذلك ضدا كان حكمه هذا الحكم . وهذا الضرب من القوة يتبع المدرك من حيث هو زماني متغير . قال المشرقيون : فعلى تحصيلك يجب أن يكون عقل العقل عدم الخير والنظام فيما ليس له ذلك ، لا يجعله عقلا بالقوة ، لأنه لم يصر بذلك بالقوة بحسب فعل البتة ، بل إذا كانت معقولات جعلها ذلك غير معقولة بالفعل كما تجعل الظلمة الألوان غير مرئية بالفعل ؛ أو إذا عقلها من حيث هي متغيرة متبدلة . وأما ما يجب أن يقال في عقل السبب الأول ذاته وغيره ، ففي كتب أخرى . جملة هذا الكلام : أن المعقول إذا لم يكن من شأنه أن يكون تارة بالقوة وتارة بالفعل ، أدركه العقل الذي بالفعل . وإذا كان من شأنه الانتقال من حالة إلى حال ، لم يدركه العقل الذي بالفعل على هذا الوجه . ومثاله في البصر والظلمة واللون ، أن البصر لو كان يدرك ظلمة ما ليس من شأنها أن تزول فيخلفها اللون ، لم يصح أن يقال إن البصر

--> ( 1 ) ن : بهذه .