عبد الرحمن بدوي
88
أرسطو عند العرب
يجب أن يعلم أن الأعضاء الطرفية إنما يلحقها الضعف والفساد لضعف يسبق إلى المبادي ولو كانت المبادي صحيحة ، لانحفظت الأطراف ولم تسقط قواها ، وكان الحال فيها هو الحال في شرخ الشباب . فإنما تسلم المبادي والأطراف لأنها تكون قد نزلت عن درجتها الأولى وانحطت وحلت بين الأطراف وبين الفاعلات فيها . فلا كبد الشيخ ولا دماغه ولا قلبه على الحال الصحيحة أو القريبة من الصحيحة . ولذلك نجد في نبضه وفي بوله وفي أفعال دماغه الطبيعية تفاوتا عظيما . ثم لقائل أن يقول : إن الشيخ تخيّله أيضا وتذكّره وحفظه محفوظا « 1 » ليس دون حال عقله . والجواب أنه ليس كما نظن به . فأما ذكره للأمور الماضية التي في ذكره لها كالشابة ، فإنما يكون ذلك لأن تكرر مذكوراته على وهمه وهو شيخ أكثر من تكررها عليه وهو شاب . فيكون السبب المؤكد للحفظ أقوى فيه منه في الشاب فان استويا فإنما يستويان بسبب المنفعل وإن كان أضعف . فالسبب المؤكد له أكبر ، على أنه ليس كذلك ، لا في حفظه لصور المحسوسات ، ولا في حفظه لمعانيها . وإن شئت أن تعلم ذلك فجرب حفظه لها وقد تأديا إليه وهو شيخ ، وقسه بمثل ذلك وهو شاب أو صبي . فنجده لا يتحفظ له الشئ ، لا عددا ولا مدة ، كما كان يتحفظ له قبل ذلك ، ونجد تذكره لما فات أضعف أيضا إلا فيما للعقل سبيل إلى المعونة فيه . وأما الأمور المحفوظة قديما فإنما يتساوى فيه حفظها وحفظ الشباب ، لأنه ليس يتساوى فيهما السبب المحفظ عددا . ومع ذلك فإن المرتسم من ذلك في حفظ الشباب أوضح وأصفى وأشد استصحابا للأحوال المطيفة به ؛ والمرتسم في حفظ الشيخ أطمس وأدرس وأخفى لوحا ولمعانا . ولقائل أن يقول إن الشيخ ليس إنما يوجد سليم العقل بحسب الأمور العقلية الكلية ؛ بل قد يوجد أثقب رأيا وأصح مشورة من الشاب في الأمور الجزئية الخيالية . وأنت لا تقول إن خياله أسلم من خيال الشاب أو مثله . فالجواب عن ذلك أن ذلك بسببين : أحدهما لأن آلاته أكثر ، والثاني أنه يستعين بما هو مساو لمثله من الشاب أو أقوى بسبب قلة المنازعات . فأما أن آلاته أكثر ، فهو أن الأمثلة الجزئية عنده أكثر ، لأن تجاربه أوفر . ثم إنه ليس يتصرف فيها بالخيال والقوى الوهمية فقط ، بل يرجع فيها إلى العقل ، فيستعين به في طريق القسمة
--> ( 1 ) ص : محفوظ .