عبد الرحمن بدوي

86

أرسطو عند العرب

فيها - فالمطلوب صحيح . فإنه يجوز أن يكون الفعل الذي ليس بشركة قد شغل عنها الفاعل بأفعال بالشركة ، مثل ما يعرض للفارس الراكب فرسا ردئ الحركات نزاعا من أن يشتغل بمراعاة مركبه عن أفعال خاصة به ليس صدورها عنه بشركة الفرس . وكذلك قد يشتغل الإنسان عن خواص أفعاله لما يتلذذ به من مشاركة غيره أو يتأذى . ويجوز أن يكون الفعل الذي ليس بالشركة إنما يصار إليه من الفعل الذي بالشركة ، مثل أنه قد يحتاج في اكتساب المعقولات في أول الأمر إلى تخيلات تتصرف فيها النفس تصرفا سنذكره ، فإذا عيق عن استعمال التخيلات لآفة في أعضاء التخيل كلّ فيها عن عقله . فالشيخ إذا عرض له أن يكل وأن ينصرف عن المعقولات ولا يتصرف فيها ، فالسبب أنه قد شغل عن أفعاله الخاصة أو عرضت له آفة في آلات ربما احتاج إليها في الابتداء ، لا لأن الأصل ضعف أو انفصل ؛ - أعنى بالأصل النفس - ؛ وإلا لكان كل شيخ يفقد كمال عقله عند التشيخ ؛ وليس كذلك . بل ربما صار تصوره العقلي حينئذ أفضل . بل هذا سبب عائق له عن خاصّ فعله على النحو الذي ذكرناه ، كما يعوقه عن صحة الحسّ . ومعنى هذا أنه يجعل الحسّ أمرا تابعا للنفس التي هي الأصل ، فائضا منه إلى الآلات . إذ النفس عنده واحدة هي الأصل والقوى تفيض منه في الأعضاء بحسب الأعضاء وقبولها . ويرى أن النفس الحساسة ليست نفسا أخرى ، بل نفسانية أو قوة فائضة عن النفس الأصل إنما كما لها بالعضو [ 158 ا ] الذي هي كمال له . وهذا شئ يتكفل المشرقيون بتتميم القول فيه . فكما أن النفس يعرض له بسوء مشاركة البدن أن لا يفيض عنه الشئ الذي ليس فيضه عنه بشركة البدن . وكيف والبدن هو القابل ، والنفس هي مبدأ الإفاضة ، بل فيضه منسوب إلى النفس وحدها . وإنما لا يفيض أو يفيض لا على الكمال بسوء مشاركة البدن . كذلك قد يعرض سوء مشاركة البدن أن لا يتم الفعل الخاص بالنفس من النفس . فالشيخ لم يؤت في كلال تعرّض له في التصور إذا عرض يسبب أن النفس الأصل قد انفعل شيئا ، بل سبب عارض له كذلك لم يؤت في كلال حسى يعرض له حتى تكون قوة الخير الفائضة عنه بسبب أن جوهره قد انفعل ، بل لسبب عارض له . ولو أعطى الشيخ عينا كعين الشاب في المزاج لكان حسّه مثل حسّ الشاب . ولو كان قد انفعل أصل النفس شيئا لكان - وإن صلحت الآلة - لا يتم فعلها بها ، أو الموضوع لا تتم إفاضته عليها . فبين أن النفس في الشيخ - وإن ضعفت حاسته ،