عبد الرحمن بدوي
82
أرسطو عند العرب
بغير نهاية . وهذا محال . فإذن ليس يمكن أن يجعل المعنى المعقول ممثّلا في شيء منقسم فإن كان المعنى المعقول غير منقسم - ولا بد من معنى معقول غير منقسم ، إما لأنه آخر ما ينتهى إليه أجزاء القسمة إلى مبادئ الحد ، أو لأنه بعض الذوات المشبهة للنقطة مثلا وللعقل إن كان غير منقسم ثم يقدر في منقسم - وجب من ذلك أن ينقسم على النحو الذي ذكرنا ، وكان لا يمكن أن ينقسم بمتشابهه ولا غير متشابهه ، لأنها تكون حينئذ آخر المعاني على ما بيّنا . والمعنى لا جزء له ، فبيّن أن المعنى المعقول - كان منقسما أو غير منقسم - فإنه لا يتمثل في عظم ساكن أو متحرك . هذا ، وإن « 1 » جعل المتلقى للمعنى المعقول شيئا « 2 » لا يتجزأ كالنقطة ، فإن كان ذلك بالملامسة والمحاذاة أو غير ذلك ، فمن البيّن أنه ممتنع ، وإن كان بغير [ 156 ب ] ملامسة لم يمكن أيضا ، فإن الذي لا يتجزأ لا ينفرد بشيء يختصّ به فيصير الانفراد في الوضع من جميع جهاته عما يليه . وقد علم أن ذلك باطل . فبيّن من هذا أن المعنى المعقول لا يتصور في جسم ولا في شئ ذي جسم وفي جسم . وأما المحسوسات والمتخيّلات فإنها أشياء مأخوذة مع أعراض لها تختص بأعظام ما على سبيل ما توجبه الملامسات والمحاذيات ونسب الأعظام والأوضاع في الجهات والأبعاد ، فلا يحصل إلا كذلك . وتلك تقتضى أعظاما معينة ومقادير معينة ، والمعقول النسب غير معتبر مع الأجسام بالقرب والبعد ولا مناسب للأعظام والأوضاع ، ولهذا السبب يختلف المحسوس عند الحس بحسب اختلاف هذه الأحوال . ولهذا يرى الشئ مرة صغيرا ، ومرة كبيرا بحسب البعدين . ولهذا السبب لا يحس الإنسان من حيث هو إنسان ، ولا الخيال أيضا تحضر صورة متخيّلة إلا على وضع معيّن وقدر معين ، وبحيث لا يصلح أن يكون محمولا على كل إنسان ، وذلك لأنه فعل بآلة جسمانية لقوة جسمانية . فقد اتضح وتبرهن حقّ التبرهن أن المعقول لا ينال بمتجزىء ولا يعتبر متجزئا « 3 » ، وأن المعقول الواحد لا تقع عليه البتة التجزئة التي تكون على سبيل المجاورة والترتيب . وإذا كان كذلك ، فالمعقول غير مدرك بمتجزىء ولا عظم . ويجب أن تعلم أن أرسطو توقع أن يعلم من هذا الموضع أن المعقول لا يلحق بقوة جسمانية ، وأن النفس
--> ( 1 ) ص : فإن . ( 2 ) ص : شئ . ( 3 ) ص : متجز .