عبد الرحمن بدوي

71

أرسطو عند العرب

لها في ذاتها فتكون لا حاجة لها إلى الفعل والعمل ، فهي في البدن كالمجردة عن البدن ، وليس كذلك بل إنما تستكمل أفعالها وهي في البدن بأفعال وفكر وآلات وإن كان لا بدّ لها من فعل فلا ينتفع بقوتها في إدراك المعقولات فيكون إدراكها للمعقولات بالآلات . وهذا محال : فإن المعقولات لا تدرك إلا بالقوى الغريزية التي للجوهر النفساني دون الآلات الخارجة . فالجواب أن النفس لا تدرك العقليات الصرفة إلا بقوتها تلك ، لكنها لما صارت بدنية ، أي محتاجة إلى البدن في أفعالها ، احتاجت إلى شئ آخر تجلو به القوة ، ويكملها ويصيرها كما ينبغي أن يكون لها في ذاتها ، فلا تكمل تلك القوة لفعلها لأنها احتاجت إلى زيادة فيها وجلاء لها ومعبّر . وإنما كملت للأفعال التي بها تنال ذلك الجلاء والاستعداد التام فصارت عمّالة بعمل لتكمل القوة وتجعلها بمطالعة المحسوسات مهيأة لقبول فيض [ 153 ا ] من فوق تتم به قوتها . ولو كانت للنفس قوة كاملة بها تتصل بالعقل ، لم تحتج إلى أن تلابس الأبدان ، فإن ملابستها الأبدان لتكميل تلك القوة . قال إن القوى في الجواهر العالية تقع تامة مقارنة للفعل ، وإنما تكون القوة فيها ليس أن يمكن أن يكون عنها الفعل وأن لا يكون ، بل إنما التي يصدر عنها الفعل وجوبا لكمالها ثم استغناؤها بعد كمالها بنفسها ، لأن كل شئ منها يفعل بعد الأول وبعد ذاته كل شئ من ذاته ، ولأنه يلزم . وأما في الجواهر التي في هذا العالم فإن القوة إنما تكمل بالفعل ، كما ترى أن قوة الكتابة بعيدة فتصير بالاستعمال قريبة ، وكذلك الصناعات وغيرها . وأما هناك فالقوة توجب الفعل وتتمّه . وهاهنا فالقوة إنما تقوى وتنشأ بالفعل . ذكر « 1 » المشاهدة الحقة : [ و ] هي التي لا يكون الالتفات فيها نحو الصور الحقة من غير حاجة إلى ملاحظة ما ينتجها أو يكون عنه ، وإنما تكون إذا تمت القوة وكملت فتشاهد الجنس الحق بالقوة التي لها دون عمل أكثر مما يسميه النهوض ، وهو كالإعراض عن هذا العالم وشواغله والإقبال على عالم الحق ، ولا يحتاج إلى هذا النهوض إذا كانت متجرّدة .

--> ( 1 ) « إن الشئ الذي به ترى النفس الأشياء العالية والعقلية وهي هناك ، تراها وهي هاهنا وهو قوتها ؛ وفعلها إنما هو نهوض تلك القوة . وذلك أنها اشتاقت إلى النظر إلى ذلك العالم ونهضت بقوتها واستعملتها غير الاستعمال التي كانت تستعملها وهي هناك ، لأنها كانت تدرك الأشياء هناك بأهون السعي ولا تدركها هاهنا إلا بتعب ومشقة . وإنما ينهض تلك القوة في خواصّ الناس ومن كان في أهل السعادة . وبهذه القوة ترى النفس الأشياء الشريفة العالية التي كانت هناك أو هاهنا » ( ص 97 س 5 - س 12 ) .