عبد الرحمن بدوي

60

أرسطو عند العرب

المخصص هو الذي مثل هذا الوجود له عند المبدأ من غير توسط واسطة أصلا بوجه من الوجوه ، ويكون وجوده هذا من الموجد له [ 144 ا ] بحيث لم يتسلّط عليه قبله العدم ، بل أن يكون المبدع أعطاه وجودا مطلقا وضع عدمه ، ليس أن عارض عدمه بمنع بعد تمكن . والإبداع نسبة المبدع إلى المبدع من حيث هذا الوجود . قال : ليس « 1 » فيضان الصور عن الأول الحقّ على سبيل ما يترتب في الفكر ويطلب بالرؤية بل أبدعت الإبداع الشريف الذي ذكروا ، مما يبدعها الباري بذاته لا بتوسيط شئ غير ذاته ، بل أبدع العقل بذاته ، ولما تجلى للعقل عقله العقل وعقل ذاته وعقل منهما كل شئ دفعة لا بطلب ولا فكر . فلما أبدع ذلك أبدع بعد ذلك - بعدية ذاتية لا زمانية - العالم الحسىّ وما فيه . - ليس إبداع تلك الأشياء كان لأجل هذا العالم ، فإن الأفضل لا يكون لأجل الأخس ، وليس أيضا الجود وقف هناك ، وإن كان ذاك ليس لما بعده لكنه ليس في إبداعه منع لأن يفيض الجود الإلهى إلى آخر ما يقبل منه الجود من ماهيات الأشياء المكتسبة وجودها من هناك . فلما لم يمكن أن يكون المعنى الإلهى الفائض واقفا ووراءه إمكان ، ولم يمكن أن يكون في المعقول ماهيات تنال جميع أصناف الوجود العقلي والحسى ثم لا يأتيها الجود الإلهى ، تعدّى الإيجاد تلك الأشياء التامة الكاملة التي لو كان إيجادها لحاجة من الموجد أو فاقة أو شوق إلى وجود شئ أو غرض في وجود شئ لكان بها غنية . لكن ليس الإيجاد لذلك ، بل لكون الجود أكمل ما يمكن وكون الماهيات المعقولة صحيحا لها أن تقبل وجودا آخر حسيا وكون ما يصح وجوده من عند الفياض بإبداعه . فصل : أول اثنينية في المبدع - أىّ مبدع كان هو - أن له بحسب ذاته الإمكان ، ومن جانب الحق الأول الوجود . ومن هذين تأتلف هوية موجودة . ولو كان المبدع عقلا

--> ( 1 ) : « لم يدبر المدبر الأول حيا من الحيوان ولا شيئا من هذا العالم السفلىّ أو في العالم العلوي بفكرة ولا روية البتة . فبالحري أن لا يكون في المدبر الأول روية ولا فكرة » . وراجع أيضا : « ليس لقائل أن يقول إن الباري روّى في الأشياء أولا ثم أبدعها . وذلك أنه هو الذي أبدع الروية ، فكيف يستعين بها في إبداع الشئ وهي لم تكن بعد ؟ ! وهذا محال ، وتقول إنه هو الروية ، والروية لا تروى أيضا ؛ ويجب من ذلك أن يكون تلك الروية تروّى ؛ وهذا ما لا نهاية له . وهذا محال . فقد بان وصحّ صحة قول القائل : إن الباري - عزّ وعلا - أبدع الأشياء من غير روية » ( صفحة 164 س 8 - س 13 ) .