عبد الرحمن بدوي
33
أرسطو عند العرب
ذلك مطلقة منفصلة منقطعة لا يتصل بعضها ببعض ، ولا يضاف بعضها إلى بعض ، بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل ، تجمع الكلّ إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ الذي يفيض عنه الجود والنظام على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عليه . ثم يقول ما معناه : إن ترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل في أن الأحرار والأرباب فيها لا يطلق لهم أن يعملوا كل شئ كما اتفق ، بل يكون لهم أفعال مخصوصة مرتّبة على النظام . وأما المماليك والعبيد والكلاب والسّنانير فقلما تشارك الأولين في أعمالهم ، بل أكثر ما يفعلونه جار على ما يتفق ، وخارج عن الترتيب المحفوظ ، ومع ذلك فإن بدء الكل واحد من جملة أجزاء البيت وهو رب المنزل . فكذلك يجرى الحال في الطبع في أن يكون هناك أجزاء أول مسوّدة ونفيسة لها أفعال مخصوصة مثل السماوات ومحركاتها ومدبراتها وما قبلها ، وأجزاء خسيسة متأخرة يجرى أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع والإرادة وإن كان المصير في كل حال إلى رأس واحد . ثم يقول : ومبدأ كل واحد منها الذي يبتنى عليه أمره هو احتماله في نفسه هو على ذلك . فإن الدرجة الأولى إمكانها على نحو أفضل ، والثانية دون ذلك ، والثالثة التي للأجرام السماوية دون ذلك ، والتي عندنا دون الجميع ، وإذا لم يكن في احتماله لم يكن ذلك بسبب المفيد المفيض للوجود ، بل لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تستطيع أن تلبس الوجود وكماله على هذا النحو . ولذلك تقع العاهات والتشويهات في الأمراض لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول والثاني ، بل : إما أن لا تقبلها أصلا ، أو تقبل منها الكمال الأول دون الثاني . وليطلب كمال هذا الكلام وتمامه من المشرقيين . ثم إنه يقول - وصدقا يقول - إنّا إن لم نجر الأمور على هذا المنهاج التجأنا ضرورة إلى أن نقع في محالات وقع فيها الذي قبلنا . ويعدّ بعد هذا مذاهب الثنوية ويفنّدها « 1 » .
--> ( 1 ) في الأصل يفسدها . وهي قراءة تصح أيضا ؛ ولكن يغلب على الظن أن يكون ما افترضنا هو الأصل .