عبد الرحمن بدوي
31
أرسطو عند العرب
الشئ يجب أن يكل ويتعب ، إنما التعب هو أذى يعرض بسبب خروج عن الحالة الطبيعية . وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتولّى مضادة لمطلوب الطبيعة ؛ أما الشئ الملائم واللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه فلم يجب أن يكون تكرّره متعبا . ولا أيضا ما يقوله ثامسطيوس « 1 » حق . فإنه يقول إنه إنما لا يتعب لأنه يعقل ذاته ، كما أن الشئ لا يتعب من أن يحب ذاته ، فإن العلة ليس هو أنه لذاته أو لغير ذاته ، بل لأنه ليس مضادا لشئ في جوهر العقل . ثم نقول : وحينئذ لا يكون الكريم هذه الذات التي هي بالقوة ، ولا المعقول الذي فرض أحسن وأحرى ، بل هذا الخروج إلى العقل ، وهذا الإدراك للمعقول الخارج . فيكون الأثر المأخوذ من الخسيس في غاية الشرف . [ 141 ب ] وهذه كلها محالات ، بل عسى الصواب أن يجعله عاقلا لذاته في حد ذاته . فإن كثيرا من الأشياء أن لا تبصر خير من أن تبصر . فليس إذن الأفضل على كل حال أن يعقل أىّ شئ اتفق ، بل أن يعقل ذاته . فأقول : إن عنى الرجل أن الأفضل أن يعقل ذاته فقط ، فقد قال ما ليس بممكن . فإنه إن عقل ذاته على كنه ما هي عليه عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل ، وعقل كونها مبدأ وانثال « 2 » عليه أن يعقل الكلّ وإلّا لم يعقل ذاته بكنهها . وإن عنى أن أول عقله هو عقله لذاته ، ومن ذاته يعقل الأشياء ، لا من الأشياء ، فلا تكون الأشياء سببا لكونه عقلا ، بل يكون كونه عقلا في ذاته سببا للأشياء - فهو صحيح . لكنه كان يجب أن يشير إليه ولا يسكت عنه . قال : وليس بمسلّم أيضا أنه إن لم تبصر بعض الأشياء فهو خير من أن تبصر ، بل هو كلام عامي جدا . ثم قال : فإذن يعقل ذاته ، إذ كان الأقوى . أقول : إنه يشبه أنه يرى هذا ويقوله على أنه من ذاته يعقل الأشياء ، ولأنه يعقل ذاته وقوله : إذ كان الأقوى يعقل ذاته ، إذ كان أفضل كل شئ ، ولم يكن في أن يكون مستكمل الذات بالذات نقص ، بل بالغير . ثم يقول : ويعقل التعقل ، أي يعقل ويعقل أنها بالفعل متعقلة . ثم يشير إلى أنه لا يفرّق فيه العقل والعاقل والمعقول ، وليس يلزم كلامه هذا أن يكون مذهبه أن في كل شئ العقل والمعقول والعاقل واحد . وذلك لأنه فرض أنه يعقل
--> ( 1 ) راجع قبل ص 21 ( 2 ) كذا في الأصل ، فإما أنه تحريف وإما أنه يحتاج إلى شئ من التأويل .