عبد الرحمن بدوي

29

أرسطو عند العرب

فما بان من كلامه ؛ فإن كلامه أوجب على سبيل المساعدة أن هاهنا محركات مفارقة كثيرة ولم يتأت له أن يبين كيف أتينا بها إلى الأول الحق في الوجود ، وكيف أتينا ببعضها إلى بعض ، وهل هي معا في الذات ، فلا يتعلق بعضها ببعض في الوجود ، أو تتعلق معا أو على ترتيب ، ويجب أن يعرف أن الرجل يرى أن لكل كرة محركا مفارقا غير متناهي القوة ، ويحرك كما يحرك المشتهى . ليتأمّل أن المشتهى لا يكون مبدأ الحركة والمتولى للحركة ، بل يكون آخر هو الذي يحرك كالعاشق والمشتهى للاتصال أو التشبه أو النيل أو غير ذلك من المشتهى ، وأن ذلك هو المحرّك بمعنى مبدأ الحركة المزاول للحركة ، فإنه لا محالة صورة للجرم السماوي مشاركة ، فهي نفس فإن الجرم نفسه بما هو جرم لا يتحرك بذاته . فإن سلمنا أنه يتحرك بذاته ، فليس يكون المتحرك على أنه مدرك معنى معقولا يشتهى شهوة عقلية أو شبيهة بالعقلية . فقد بان عن مذهب أرسطو أنه يقول بمحركات تحرك على أنها مشتهاة ومفاوقة ، ومحركات في أجسام السماوات تحرك على أنها مشتهية ومتشبّهة . ثم إنه يطلب عدد المحركين من عدد حركات الأكر ؛ وذلك شئ لم يكن ظاهرا بعد في زمانه وإنما ظهر بعد . ثم أخذ يوضح أن المبدأ الأول واحد من جهة أن العالم واحد فيقول : إن الكثرة بعد الاتفاق في الجوهر بسبب كثرة العنصر . ثم يقول : وأما ما هو بالإنّية الأولى ، أي الحقيقة الأولى للحق الأول ، فليس له عنصر ، لأنه تمام ، أي لأنه أنّيّة قائمة بالفعل لا تخالط القوة . فإذن المحرك الأول واحد بالكلمة والعدد ، أي كلمته والقول الشارح لاسمه واحد ؛ وهو أيضا واحد بالعدد ، أي إنما له ذات واحدة فقط لا تشترك فيها ذاتان . ولما قال : ومحرك هذا السماء واحد ، قال : يجب أن تكون السماء واحدة ، فإنه لو كانت كثيرة لكانت مباديها كثيرة ؛ ولا يجوز ؛ بل مبدؤها واحد . فبان من ذلك أن السماء واحدة . وهذا حق وقوىّ إذا ربّى وتمم . ( الفصل التاسع ) ثم شرع في بعض صفات الإله جلّت [ 141 ا ] عظمته فيقول : وأما كيف يكون هذا المبدأ في ذاته وفي عقله لذاته ، ففيه صعوبة . فإنه إن كان ليس تعقله بالفعل ، فما الشئ