عبد الرحمن بدوي

234

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

في دار الطبيعة دون أن يشغله . وشغله أن تزاوجه من الجسد الذي منه دبرت في البدء فإنه يشتغل بقلبه عن ماهيته إلى ذاته عن الذهاب . قال أفلاطون : فيلحقك مع الضبط كفاية المئونة في العود إلى العمل . قال أحمد : من المستفيض عند منتحلي هذا العمل أن من دبّر العمل مرة واحدة فإنه مستغن عن العود إلى العمل . فيرى من لم يتدرب في العلوم العلوية أن ذلك إنما هو أن الشئ القليل يقلب الكثير من الجسد عن ماهيته إلى المراد باقتصاره على ما دبّر مدة زمانه ؛ وذلك بخلاف هذا . وهو ما أخبرنا به الفيلسوف ، لأن الروح إذا أحال الجسد والنفس حتى يقوما كهيئته إذا جمع بينه وبين الجسد الذي كان منه بدء العمل فإنه لا يزال يؤثر فيه حتى يقلبه عن ماهيته إلى ذاته حتى يقيمه كهيئته . فالعامل مستغن بهذا العمل من الروح عن العود ؛ وكذلك القادح نارا مستغن عن الزناد ما بقي عنده النار . قال أفلاطون : ويتبرم بكثرته حتى يضطر إلى التخلية عنه في كل مدّة . قال أحمد : إن هذا الشئ إذا أحال مثله أو غيره من الجسد الذي كان منه ، كان زائدا في كميته . فلا تزال الزيادة تنتهى إلى حد يتبرم بها العامل فيضطر إلى تخلية بعضها إذ قد استغنى بالقليل الذي يبقيه ، سيّما وهو يعلم أن الزمان يبلغ به في الزيادة إلى ما يريد ، إذ هو كالشّريرة من النار في الفعل . قال أفلاطون : ولا تزاوجه بما تريد أن تحيله إليه إلّا بما كان منه في البدء - إلى أن قال : فإن فعلت ذلك صار إكسيرا للذي تزاوجه ؛ ولذلك قد فات أكثر العالمين مرادهم بعد الفراغ من العمل بما بخسوا من الوقوف على هذا السرّ . قال أحمد : إن هذا الفصل من كلام الفيلسوف السرّ الأعظم من أسرار الفلسفة في هذا النوع ، وهو الذي يتمّ به [ 35 ا ] للعامل ما يريده . ولقد أنظر في كتب من تقدم الفيلسوف أفلاطون من العلماء بهذا النوع من العلم فأجد الكلّ قد أومأ إلى جميع ما يحتاج إليه في العمل ، إن لم يكن بالتصريح فبالإشارة - ما خلا هذا السرّ العظيم . وأنا أرى أنّ من فاته هذا السر ثم قبل ما تقدم من القول في أنواع هذا العلم فليس قبوله ذلك بمعرفة