عبد الرحمن بدوي
218
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
والذهب قد خالف الشمس في الطباع ، إذ كان جوهر الشمس حارّا يابسا ، وجوهر الذهب حارّا لينا كطباع المشترى . ونسبوا الفضة إلى القمر ، والحديد إلى زحل ، والنحاس إلى المريخ ، والرصاص إلى الزهرة ، والزئبق إلى عطارد . وفي الكل اختلاف كما في الذهب والشمس ، وسأخبر به عند الحاجة إليه . واضطر من نسب الذهب إلى الشمس أن نسب النحاس الأصفر إلى المشترى ، وذلك خطأ ، لأن صفرة النحاس الأصفر من دخيل خالطه . - وقد أخرجت ذلك بكماله وعلله وتكلمت فيه بالكلام الواضح المستقصى فيما فسرته من كلام فيثاغورس في كتابه المترجم ب « اسطخس » وهو الأركان . فمن أراد أن يدرك علم ذلك حتى لا يشذّ عنه شئ منه فلينظر في ذلك الكتاب . وقد أخرج فيثاغورس في ذلك الكتاب رأيا حسنا لطيفا لا يكاد يقف عليه إلّا الماهر اللبيب ، وذلك أنه نسب الجواهر إلى الأجرام بالحقيقة ثم نظر إلى تأثير كل جرم ، أعنى بها الكواكب . ثم طلب الحالات التي تحدث عليها حتى ظهر من أحدهما تأثير الآخر وفعله فعرف علّة هذه الحالات والمزاجات وكيفيتها في الفلك بالحركات والعوارض والانتقالات ، فحكم بأن الجوهر السفلى إذا حدث عليه الحدث المشاكل للعلّة التي أقامت أحد الكواكب في هيئة الآخر أنه يقيمه في هيئة الجوهر المشاكل للكوكب الآخر - المثال : أن الزهرة إذا حلّت في بعض البروج الشريفة والمراكز العالية وقارنت أحد البابانية وحلّت بالمحل الذي يوجب أن يؤثر تأثير المشترى فعرف العالم العلل التي أحلت هذا الكوكب ، أعنى به الزهرة ، بهذا المحل حتى أحاط بكيفيته وماهيته ؛ ثم دبّر الجوهر المنسوب إلى الزهرة حتى يحدث عليه ما حدث على الزهرة حتى أقامه مقام المشترى ، فإن الجوهر المنسوب إلى الزهرة يقوم مقام الجوهر المنسوب إلى المشترى حتى يوازيه في اللون والهيئة والأثر ؛ وذلك على قدر التدبير وكماله . وهذا الفعل والتدبير معتاص من إدراكه ، لأنه استدلال بما لا يدرك بالحقيقة على عمل بعيد الغور . وطلبه من غير هذه الجهة أسهل . قال أفلاطون : وكيان الأرض ككيان الحيوان . قال أحمد : إن في تخوم الأرض في الصفحة العليا [ 30 ب ] القوى المدبّرة كالقوة التي في الحيوان التي يسميها الأطباء « الكيان » .