عبد الرحمن بدوي
184
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
أنبوبة الإنبيق قد أدخلت في فم الإناء ملازمة « 1 » ؛ واستوثق من الوصل لئلّا يفوت الصاعد . أوقد تحته برفق وتأنّ ، فإن المنسوب إلى الروح يصعد إلى الإنبيق : فإن كان سيّالا سال في الإناء ، وإن كان يابسا رقد في حواشي الإنبيق . ويسيل المنسوب إلى النفس من ذلك « 2 » الثقب إلى أسفل القرعة ويبقى الجسد في موضعه . فهذا جملة أمر التفريق ؛ وأخرجه الفيلسوف بكلام طويل هائل ، فاختصرت ذلك وأوجزته بكلام سهل عامّى ، لما رجوت فيه نفى الحيرة عن طالبى العلم . قال أفلاطون : وليكن المنخل متضايقا « 3 » لئلّا تشترك النفس مع الجسد . قال أحمد : إن الثقب الذي في أسافل القرعة إذا لم يكن متضايقا « 4 » فإنه يسيل من الجسد أيضا كما يسيل النفس فيفسد التدبير ، فلهذا يأمرك الفيلسوف بما يأمرك . قال أفلاطون : وبعد الفراغ فإن خفت في العمل الاختلاط فدبّر كل واحد منها كتدبير الأوّل . قال أحمد : إن هذا الذي ذكره الفيلسوف ، خفت الاختلاط أم تخفه « 5 » ، فلا بدّ من استعماله لأنه لا بد أن تصعّد ما لا يجب أن يصعد ، وتنزل ما لا يجب أن ينزل ، ويبقى في موضعه ما يجب فيه الصعود والنزول فإذا أنت رددت كل واحد منها ، أعنى الصاعد والنازل والثابت في القرعة وعالجته كعلاجك أولا ، استقام لك واستثبت . قال أفلاطون : والآنية الزجاج فلو لا ما يسرع إليه من الكسر لكان فيه مرفق لنفاذ البصر فيه . قال أحمد : إن هذه هذه الآنية التي علمنا الفيلسوف صنعها إن كانت مقاومة للماء والنار فإنها تعمى على العامل ، إذ كان البصر لا ينفذ في جرمها والعامل يحتاج إلى ذلك ليقف على صعود العمل ونزوله ، وهل يجب أن يقطع النار أو يرتد . قال أفلاطون : فإن قدرت على سياسة الصقيل فافعل واستظهر بالاستعمال للآخر .
--> ( 1 ) ص : أدخل . . . ملازم . ( 2 ) ص : تلك . ( 3 ) ص : متضايق . ( 4 ) ص : متضايقة . ( 5 ) ص : تخافه .