عبد الرحمن بدوي
160
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
بما فوقه . فإذا كان أرفع ما فينا العقل ، وهو تعالى فوقه ، فبالواجب أن لا نقف على ماهيته إلّا باعتقاد وجود معرفة استدلال بما كان من أجله جل ثناؤه ، لا بالإحاطة بمعرفة ماهيته . - وقد قال الفيلسوف في كتاب « ديالغون » : « إني جلت السماوات الثلاثة : سماء الطبيعة المركبة ؛ وسماء المفردة ، وسماء النفس - ليس هناك مسلك ، وجذبتنى الطبيعة فانجذبت » . فهذا القول النفيس لم يضعه الفيلسوف استدلالا على هذا العلم ، بل لمراده أن لا يخلى كلامه من محضر للحق مخلص للقسم ، وإرادته في هذا النوع من العمل أن يعرف التدبير الأدون بالتدبير الأعلى . قال أفلاطون : والنفس أعون للطبيعة من العقل ، كما أن [ 13 ب ] العقل أعون للنفس إلى أن قال : وذلك البعد الواقع . قال أحمد : إذا كانت الطبيعة من أجل النفس ، كما أن النفس من أجل العقل ، فالنفس بالطبيعة أولى لقرب مشاكلتها . فالواجب أن تعرف الطبيعة بالنفس ، كما يجب أن تعرف النفس بالعقل ، لا سيما إذا فعلنا ذلك فإنما نبلغ ونرتفع إلى العلم بالمراقى ، الذي هو تدبير الفلاسفة ومذاهبهم . وقد أخذ الفيلسوف من هذا الموضع في القول الرفيع عن حدّ الطبيعة ، فإن وافقته على مذهبه فإنه لا ينتفع بقراءته إلا القليل من الناس . فالأصوب أن أقصد لما بقي من قوله في هذه الكتب . وإن احتجت أن أغير ألفاظه فآتى فيه بالمعاني فقط ، فلست أريد بذلك إلّا الشرح والبيان . وقد قلت مرارا إنه ليس مرادي فيما ألزمته نفسي وأشغلت به فكرى وأسهرت فيه ليلى وأتعبت نهارى . وقد عاب « 1 » اسطالينوس - الرجل الفاضل - على الفلاسفة في استعمال الكلام الجزل ، وقال بعد : إنه لو ذهب لنا الزمان - الذي يذهب في الوقوف على الكلام - في تفهم الكلام والوقوف على معانيه - لكان أولى . وصدق ونصح للمتعلمين والطالبين . وإن الفيلسوف قد أخرج كلامه الجزل مرسلا ، فإن لم أرتبه مراتب أقدّم منه البعض على البعض ، فإن ببعض ما أخرجه في الكتاب الرابع في هذا
--> ( 1 ) ص : أعاب .