عبد الرحمن بدوي

139

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

ما قد حده لك في أبواب التحليل والتعفين في الكتاب الثالث والرابع ، لأن هناك تعلم أن أكثر النتن العرضي في الأجسام إنما هو لارتفاع اللطيف منه . قال أفلاطون : والرجيع أيضا وإن كان من تفل الأشياء وعكرها فنتنه أيضا من التلطيف . قال أحمد : يقول إن الرجيع - وإن كان أيضا من عكر الأشياء وتفلها - فنتنه أيضا من التلطيف ، إذ اللطف منه ، [ 7 ب ] وذلك أن الغذاء في الحيوان إذا عمل فيه القوى الطبيعية ليجتذب لطائفه فإنه يظهر فيه النتن الذي يوجد فيه . وقد أخرجت في كيفية النتن والطيب مقالة بأسرها في كتابي الذي بينت فيه اختلاط الأركان على أشد استقصاء . فلنتجاوز ذلك إلى كلام الفيلسوف في هذا الكتاب . قال أفلاطون : ولا ينبغي أن أنيب إلى التهاتر إلّا بعد بصيرة . قال أحمد : إنه من لم يعرف كلام الفيلسوف ومعناه وقصده في كل كلام يخيل إليه أن الفيلسوف تناقض كلامه ويخالف البعض منه البعض . - من ذلك ما قد قدم في هذه الفصول فإنه جعل في أول كلامه النتن دليل الكدر ، ثم جعله أيضا فيما تلطف . وكان في كل كلامه محقا « 1 » ، لأنه ذهب في كل قول إلى معنى صحيح . - وقد قال ثاوفرسطس في بعض مقالاته إن النتن إلى السفل من الكثافة ، وإلى العلو من اللطافة ؛ فيريد أفلاطون أن لا يتسرّع إلى قوله بالثلب والعضيهة ، فإن لذلك معاني غامضة صحيحة . ومن عاب قول الفيلسوف فإنما هو لنقصان علمه ومعرفته . وقوله : « إلا بعد بصيرة » فإنما قاله لأنه قد أمن بعد البصيرة أن يعاب ، إذ كان خلوا من العيب . قال أفلاطون : ومما ينبغي أن تختار من الأعضاء : عضو جنس الأجناس وصورة الصور . قال أحمد : يعنى بجنس الأجناس الإنسان ، وكذلك صورة الصور . وذلك أن من الأصول المتفق عليها أكثر الأوائل أن الإنسان هو المستولى قديما وحديثا على سائر الحيوان ، وهو أحكم الحيوان صورة وتركيبا .

--> ( 1 ) ص : محق .