عبد الرحمن بدوي
125
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال ثابت : قد صعّبت هذه الصناعة وأوعرت الطريق إليها ، هذا مع خساسة نتيجتها . قال أحمد : وكيف ذلك يا ثابت ؟ قال ثابت : لأنه لا يتهيأ أن يرد الشئ بسيطا ، إذ الغالب فيه الشئ الواحد ، إلّا بعد مشقة النفس وكدّ الطلب . فإذا ركب أيضا كان الشئ القليل الذي يقل مقداره . قال أحمد : بل يضحّ في هذه الدرجة استدلال أومانيطس . فإنه إذا فعل قدّ مثلّث فإنه يمكن بعد ذلك أن يستحيل إليه من الأركان الأربعة ما جانسه في الهيئة والشكل ، كما قد قلت مرارا إنه من الواجب أن يتصل الشكل بالشكل . وإنما أخطأ أومانيطس لما أراد أن يزيد في الشئ وهو مركب بالاستحالة إليه « 1 » مركبا مثله ، فهذا يستحيل بفعل الاختيار . فأما البسيط فقابل شكله كما قدمت ، ثم يدبّر كتدبير البدء . قال ثابت : فما ترى أن يكون الشئ المدبّر ؟ قال أحمد : إذا كان أىّ شئ كان ، رددته بسيطا ، فليكن ما كان ، لأن أكثر اختلاف الأشياء إنما هو من أجل التركيب . وقول أفلاطون في صدر هذا الرابوع الثاني الذي أنا مخرجه يشهد بصحّة ما قلت . وإنما طوّل كلامه لينبئ عن طبائع الأشياء وأنها أسهل تدبيرا . قال ثابت : وما قال أفلاطون ؟ قال أحمد : قال أفلاطون : إذا كانت الأشياء من جنس واحد أصلها ، فإن ردّت ففي واحد . قال أحمد : يريد الفيلسوف بهذا القول أن الأشياء الموجودة كلها من أصل واحد ، وإنما تغايرها من أجل تفاوت أجزائها ، وأن كل شئ فيه من اختلاط الطبائع ما ليس في غيره ، وأن تغايرها من أجل ذلك . فنقول : إنه إذا حلّ التركيب وفرّق فإنه يرجع الشئ كما كان في الأصل ، وهو الشئ الذي هو أصل الأشياء وجنس الأجناس . قال أفلاطون : والمعرفة بالأجسام وكيفياتها وبدئها مما يسهل العمل .
--> ( 1 ) ص : إليه مركب ! ولعل صوابه : إلى .