عبد الرحمن بدوي
122
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
والمطلوبات فيه ، فيبلغ من حرص الأنفس عليها « 1 » ما يشغل ذوى الآراء العميقة عن التثبت والتفتيش عن صحة الشئ وباطله ، فكيف الخلو من العلم والصّفر من الرأي ! وقد كان للشيخ أفلاطون تلميذ يسمى أومانيطس قد ولع بطلب هذه الصناعة وتشاغل بها عن جميع العلوم ؛ فكان أفلاطون يعظه ويدفعه عن مراده وما هو عليه . فكان لا تزيده العظة إلّا حرصا والدفع إلا ولوعا . وكان مما يدّعى أنه يصحح عنده هذا العلم والصناعة أنه قال : إنما رأيت الأشياء من الطبائع الأربع ، ووجدت الحشائش والنبات منها ، ووجدت البذر القليل يبذر في الأرض فيستحيل من الأرض إليه ما كان ملائما له ، حتى يصير من الشئ القليل الكثير . ووجدت الذهب والفضة وقد جانسا النبات في الطبيعة ، وجب أن تكون زيادتهما ونماؤهما إذا دبّرا كالنبات . فقال أفلاطون حينئذ : إنك قد ركبت يا أومانيطس بيداء مضلّة « 2 » وأنت أعمى عن مطلبك فليس يزيدك جولان الطلب إلّا بعدا عن المراد . ولولا أنى قد رأيت من حرصك على هذا العمل ما لا أشك معه أنك إنما تريد به الاستمكان من الطبيعة لكنت أرشدك إليه ، فيكون نيلك في أقرب مدّة . إلّا أنك لما عدلت عن علم المخلص وسيرة الحق لم لم يسعني أن أعاونك على ضلالك . غير أن مشاكلة جوهرية الإنس توفقنى لك بعطفى عليك ، فأنا أبيّن لك فساد ما أنت عليه وإن لم أرشدك إلى صوابه . أمّا ما ذكرت أن الحشائش والنبات من جنس الطبيعة ، وأن الذهب والفضة وسائر الجواهر أيضا كذلك ، وأنه واجب أن يزدادا إذا دبّرا كزيادة النبات - فيوجب قولك هذا أن تكون زيادة الذهب ونماؤه في معدنه وجوهره الذي هو الأرض . وكما أنك لو ألقيت بذر النبات في النار أو في موضع غير مشاكل له لم يزد فيه ولم [ 2 ب ] يستحل « 3 » ، بل تفرّق وبطل - كذلك الجواهر إذا ألقيتها في معدنها لم يكن بالمستحيل أن تستحيل إلى « 4 » جوهرها . وإذا كانت من خلاف الموضع الذي يشاكلها بطل أن تنمو أو تزيد
--> ( 1 ) في الهامش كأنه تصحيح : عليه . ( 2 ) ص : مظلة . ( 3 ) ص : يستحيل . ( 4 ) غير واضحة تماما في المخطوط .