عبد الرحمن بدوي

70

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

يا نفس ! إن الماء الصافي النقىّ يؤدّى البصر إلى سائر ما في ذاته . وإذا شابه الكدر والوسخ حجب النظر « 1 » عن إدراك سرائر الأشياء المستكنّة فيه ، وكذلك نور الشمس إذا أشرق على الأشياء كان النظر « 2 » مدركا لها بالحقيقة . فإذا عرض فيه « 3 » البخارات والدخان والغبار حيل بين البصر وبين إدراكه تلك الأشياء . وكذلك أنوار العقل اللطيفة الشريفة إذا امتزجت بالأشياء الجلفة « 4 » الكثيفة المظلمة كدّرتها وأعاقتها عن إدراك ما في ذاتها من الصور والأشكال ، وأعدمتها التصور العقلي . فحينئذ تبقى النفس فقيرة من مقتنياتها ، جاهلة بمعلوماتها ، عادمة « 5 » حسن التهدّى إلى طريق نجاتها « 6 » . يا نفس ! ليس الزهد في الدار « 7 » ترك تزويقها وإصلاحها مع الرضا بالمقام فيها . وإنما الزهد التام الرضا بالتحول « 8 » . عنها ، والاشتياق « 9 » إلى النقلة منها . وكذلك يا نفس : ليس الزهد في عالم الطبيعة ترك لذّاته وشهواته مع الرضا بالمقام « 10 » فيه . وإنما الزهد بالحقيقة شدّة الشوق إلى مفارقته والراحة منه ومن معاندته ومضادّته « 11 » واختلافه وظلمته . - فينبغي لك يا نفس أن تعتقدى الشوق إلى الموت الطبيعي والرضا به ؛ وتحاذرى الفشل عنه . فبالخوف منه تكون الهلكة ، وبالتشوّق إليه تكون السلامة . أليس « 12 » تعلمين يا نفس أن بالموت الطبيعي تنتقلين من الضيق إلى السّعة ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الحزن إلى السرور ، ومن الخوف إلى الأمن ، ومن التعب إلى الراحة ، ومن الألم إلى اللذة ، ومن المرض إلى

--> ( 1 ) ب : البصر . ( 2 ) ب : البصر . ( 3 ) كذا في ص ، س ، ع ، ر - وهو الأصح . وفي ب : فيها . ( 4 ) ص ، س : الخلقة . ( 5 ) ما بين الرقمين ناقص في ص ، س . ( 6 ) ما بين الرقمين ناقص في ص ، س . ( 7 ) ص ، س ، ع ، ر ، ن : الدنيا . ( 8 ) كذا في ص ، س ، ع ، ر ، ن . - وفي ب : بالتحويل - والأول هو الأصح . ( 9 ) كذا في ن ، ص ، س . وفي ع ، ر : الاستشراف . وفي ب : الاستعداد . ( 10 ) كذا في ص ، س ، ع ، ر ، ن . وفي ب : باللباثة . وفي « لسان العرب » عن ابن سيده : « لبث بالمكان يلبث لبثا ولبثا ( بضم اللام وفتحها ) ولبثانا ولباثة ولبيثة ( « اللسان » 3 / 2 ) . ( 11 ) ع ، ر : مصائبه . ( 12 ) ب : أوليس .