أبو الحسن العامري
426
رسائل أبو الحسن العامري
غيره ، ونظر لنفسه . - إن كان الانفعال الجسدانيّ - كالشهوة ، والغضب ، والخوف ، والخور - أبلغ شاغل للعقل ، وكان الاعتصام بمن له الخلق والأمر ، وبه الحول والقوة ، أبلغ ما يتقوّى به العقل ، فبالحريّ أن يكون الدعاء الخالص حصنا حصينا من النقائص . والمقدّم صادق ، فالتالي إذا صادق . - كلّ من لم يقو على معالجة العالم إذا مرض وحفظه على صحته إذا بريء فليس يستحق إمامة العالم إلا من شيئين : أحدهما الملك التغلبيّ والآخر التجاذب الهرجيّ . فأما الملك التغلبيّ فهو قبيح بذاته ويتراءى للنفوس الفاسدة أنه حسن . وأما التجاذب الهرجيّ فهو مؤلم بذاته ويتراءى للنفوس الشريرة أنه ملذّ . وعلاج أمر الاثنين الإقبال على اللّه والتمسك بدينه القويم . ومهما نقه العالم من مرضه فقد صارت الولاية للقوّة التدبيرية فاستجرّت بها الأنفس إلى الفضيلة الحقيقية . - من أيقن بشرف الحكمة ثم شاهد جماعة - ليسوا من أهلها - أغبط عيشا في هذه الدنيا ممن هو من أهلها ، فقد اضطره الرأي إلى أن يوجب الشرف للغبطة في الدار الأخرى . ثم إذا كره الموت الذي هو المعبر إلى نيل تلك الغبطة فكأنه كره الرفعة التي لأجلها حرص على اقتناء الحكمة . وخصوصا إذا علم أن نعيم الدنيا - أعني المال ، والرئاسة ، والأتباع ، والحاشية - شواغل عنها ؛ وأنه جدير أن يرفض عامة ما يعوقه عن اقتنائها ؛ وأن يقيم جسده مقام الثغر الذي فيه تقاتل النفس القويّة أعداءها المعترية - كالحرص ، والشهوة ، والغضب ، وغيرها - ليفوز عند الظفر بها بالكنوز والكرامات المعدّة لها ؛ وأن يعلم أنه لا شيء أنفع له من صيانة النفس عن هذه الآفات ؛ وأن الحكمة في ذاتها عاجلة المئونة ، آجلة المثوبة ؛ وأنه لا شيء أسرع إلى الفساد من عقل المعتني بها وذلك لفرط لطافتها ودقيق صفاتها . على أنه لو لم يكن في اقتناء الحكمة الا اكتساب اسمها الشريف على الأبد ، والا التقصي من عار الجهالة ، وشين الغفلة ، للزم العاقل أن يتمسك بها ، وينفض شغله على استيفاء الحظ منها . فكيف وقد علم أنها مفضية بأربابها إلى الخلود ، ومدفعة عن نفوسهم روعة الهلاك ، وجاعلة همومهم كلّها هما واحدا ، ومؤدية لجواهرهم إلى خصائص كمالاتها . - وللانسان استكمالان : استكمال طبيعيّ ، واستكمال نطقيّ . وأما الاستكمال